مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨٩ - العذر الأخير للإمتناع عن قبول الدعوة
من اَراد استماعه ، فإذا لم يسمع ولم يفهم لا يتبعه فيغلبون بذلك محمداً [١]. فأوعدهم الله سبحانه بقوله : ( فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ولقد تحقّق وعده سبحانه في الدنيا يوم بدر فقتل منهم من قتل وأسر منهم من اُسر ، فنالوا جزاء أعمالهم ، وبقي عليهم العذاب الأكبر الذي يجزون به في يوم البعث. يقول سبحانه : ( ذَٰلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ) ( فصّلت / ٢٧ و ٢٨ ).
العذر الأخير للإمتناع عن قبول الدعوةوأقصى ما كان عند قريش من العذر لتبرير عملهم وعدم إعتناقهم لدين النبي ، هو أنّهم كانوا يخافون من مشركي الجزيرة العربيّة حيث إنّهم كانوا على خلاف التوحيد بل على عبادة الأصنام ، فقالوا : لو اعتنقنا دين محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم ورفضنا الأصنام والأوثان ، لثار الجميع علينا ، وهذا ما يحكيه عنهم قوله سبحانه : ( وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ... ) ( القصص / ٥٧ ) والآية تعطي أنّهم كانوا واقفين على أنّ دين النبي حق ولكن الذي منعهم عن اتباع الهدى مخافة أن تتخطّفهم العرب من أرضهم وليس لهم طاقة بهم [٢].
فردّه الوحي بأنّ الله سبحانه جعل بهم مكّة دار أمن وأمان ودفع ضرّ الناس عنهم عندما كانوا مشركين فإذا آمنوا واعتنقوا دين الله يعمّهم الأمن والسلامة أيضاً لأنّهم في حالة الإيمان أقرب إلى الله سبحانه من حالة الكفر ، فالخالق الذي قطع أيدي الأشرار عن بلدهم قادر في كلتا الحالتين ، وإليه يشير قوله سبحانه : ( ... أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ
[١] تفسير الطبري الجزء ٢٤ ص ٧٢.
[٢] التخطّف : أخذ الشيء على وجه الإضطراب من كل وجه ، والمصطلح الدارج هو الإختطاف.