مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٠٦ - (٥) بعثته ونزول الوحي إليه
ويلاحظ عليه : أنّ ما ذكره مبني على الفرق بين « الإنزال » و « التنزيل » ، وإنّ الأوّل عبارة عن النزول الدفعي ، والثاني عن النزول التدريجي مع أنّه لا دليل عليه ، فإنّ الثاني أيضاً استعمل في النزول الدفعي. قال تعالى حاكياً عن المشركين : ( وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ ) ( الاسراء / ٩٣ ).
وقال تعالى : ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ) ( الفرقان / ٣٢ ) فلو كان التنزيل هو النزول التدريجي فلماذا وصفه بقوله : « جملة واحدة ... ».
الثاني : إنّ القرآن نزل دفعة واحدة إلى البيت المعمور حسب ما نطقت به الروايات الكثيرة ثمّ صار ينزل تدريجياً على الرسول الأعظم.
روى حفص بن غياث عن الإمام الصادق عليهالسلام قال سألته عن قول الله عزّ وجلّ : ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ) وإنّما اُنزل في عشرين بين أوّله وآخره ، فقال أبو عبد الله عليهالسلام « نزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور ثمّ نزل في طول عشرين سنة » [١].
ولو صحّت الرواية يجب التعبّد بها ، وإلاّ فما معنى نزول القرآن الذي هو هدى للناس إلى البيت المعمور ، وأي صلة بهذا النزول بهداية الناس الذي يتكلّم عنه القرآن ويقول : ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ) ؟
قال الشيخ المفيد :
« الذي ذهب إليه أبو جعفر [٢] حديث واحد لا يوجب علماً ولا عملاً ونزول
[١] البرهان في تفسير القرآن ج ١ ص ١٨٢ ، والدر المنثور ج ٦ ص ٣٧٠.
[٢] مراده الصدوق ، وقد ذهب إلى أنّ القرآن قد نزل في شهر رمضان في ليلة القدر جملة واحدة إلى البيت المعمور ، ثمّ انزل من البيت المعمور في مدة عشرين سنة.