مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٦٦ - الحط من شأن مَنْ آمن من اليهود
الحسد عليهم ـ على نفر من أصحاب رسول الله من الأوس والخزرج ، في مجلس قد جمعهم يتحدّثون فيه فغاظه ما رأى من ألفهم وجماعتهم ، وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية ، وقال : قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذا البلاد ، لا والله ما لنا معهم إذا إجتمع ملؤهم بها من قرار ، فأمر فتىً شابّاً من اليهود كان معهم ، فقال : أعمد إليهم ، فاجلس معهم ثمّ اذكر يوم بعاث وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا تقوّلوا فيه من الأشعار ، ففعل ذلك الشاب ، فتكلّم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيّين ... فبلغ ذلك رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم فقال : يا معشر المسلمين ! الله الله ! أبدعوى الجاهلية ، وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية ، واستنقذكم به من الكفر ، وألّف به بين قلوبكم ، فعرف القوم أنّها نزعة من الشيطان وكيد من عدوّهم فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضاً ثمّ انصرفوا مع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم سامعين مطيعين قد أطفأ الله عنهم كيد عدوّ الله شاس بن قيس ، فأنزل الله تعالى في شاس بن قيس وما صنع : ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) ( آل عمران / ٩٨ و ٩٩ ) [١].
١٤ ـ الحط من شأن مَنْ آمن من اليهود :قد سبق وأن عرفت أنّ اليهود كانوا ـ وما زالوا ـ أكثر تعصّباً لقوميتهم ودينهم ولأجل ذلك لم يدخل منهم في الإسلام إلاّ الأقل القليل مثل عبد الله بن سلام ، وثعلبة بن سعية ، وأسيد بن سعية ، وأسد بن عبيد ومن أسلم من اليهود معهم ، فخاف الملأ من اليهود أن يدخل الإسلام في سائر البيوت ، فنشروا بينهم : ما آمن بمحمد ولا اتّبعه إلاّ شرارنا ولو كانوا من أخيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره ،
[١] السيرة النبوية : ج ١ ص ٥٥٦.