مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٥٧ - تخاذل بعض المؤمنين عن المناصرة
تكفل حاجة الجند ذهاباً وإيّاباً ، فقد صدرت الأوامر من النبي الأكرم بحشد جميع الإمكانات المتوفّرة لديهم بلا فرق بين الغني والفقير ، ولأجل ذلك ساهم في تدعيم ذلك المجهود الحربي جميع الطبقات والفئات من الرجال والنساء وأصحاب الثروة والعمّال.
وممّن ساهم في تدعيم أمر الجيش عبد الرحمان بن عوف حيث جاء بصرّة من دراهم تملأ الكف ، وفي قبال ذلك أتى من الضعفاء عتبة بن زيد الحارثي بصاع من تمر وقال يا رسول الله : عملت في النخل بصاعين فصاعاً تركته لأهلي وصاعاً أقرضته ربّي ، وجاء زيد به أسلم بصدقة ، فقال بعض الناس : إنّ عبد الرحمان رجل يحبّ الرياء ، ويبتغي الذكر بذلك وإنّ الله غني عن الصاع من التمر ، فعابوا كلتا الطائفتن : المكثر بالرياء والمقل بالإقلال ، فنزل قوله سبحانه :
( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) ( التوبة / ٧٩ ـ ٨٠ ).
والحقّ إنّه يوجد في جميع المجتمعات رجال ، لا يحبّون الخير ولا يساهمون فيه ، بل لا يحبّون أن يساهم فيه أحد ويعيبونهم في المساهمة بأي شكل تحقّقت ، فإن ساهم إنسان بالمال الكثير ، يتّهمونه بأنّه يحب الرياء والذكر ، وإن ساهم بمال قليل حقّروه وأهانوه ، هذه شأن تلك الطبقة التي لا يريدون الخير ولا يطلبونه بتاتاً.
تخاذل بعض المؤمنين عن المناصرةـ ومع أنّ الظروف لم تكن مساعدة لحشد الناس بما يقتدر به على حرب العدو الشرس ـ فقد تمكّن النبي من حشد ثلاثين ألف مقاتل ، ولم يكن لهذا النجاح ( في استنهاض عزائم العرب وجمع قواهم بهذه المثابة ) مثيل في تاريخ العرب ، على