مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٨٧ - الخلفية التشريعية لحرمة الأشهر الحرم
وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ ).
قال ابن هشام : لمّا تجلّى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن ( الآية الاُولى ) طمعوا في الأجر ، فقالوا : يا رسول الله أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطي فيها أجر المجاهدين ؟ فأنزل الله عزّ وجلّ فيهم : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا ... ).
فلمّا نزل القرآن بهذا وفرّج الله تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق قبض رسول الله العير والأسيرين. وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان ( الأسيرين ) ، فقال رسول الله : لا نفديكموهما حتّى يقدم صاحبانا ـ يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان ـ فإنّا نخشاكم عليهما فإن تقتلوهما ، نقتل صاحبيكم ، فقدم سعد وعتبة فأفداهما رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم منهم.
فأمّا الحكم بن كيسان فأسلم فحسن إسلامه واقام عند رسول الله حتّى قتل يوم بئر معونة شهيداً ، وأمّا عثمان بن عبد الله فلحق بمكّة حتّى مات بها كافراً.
هذا كلّه راجع إلى حكاية القصّة بجزئيّاتها وأمّا تحليل الحادثة وتوضيح الجواب الذي جاءت به الآية الاُولى فهو بالشكل التالي.
لا شك أنّ عمل عبد الله بن جحش لم يكن خاضعاً للضوابط العسكرية ، فإنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم لم يأمره بالقتال بل أمر بإستطلاع أخبار القوم ونقل أخبارهم إليه ، فقتاله كان عصياناً لأوامر قائده أوّلاً وهتكاً لقداسة الشهر ثانياً ، ولأجل ذلك لمّا جاء إلى النبيّ لم يقبل منه العير والأسيرين وانتظر الوحي الإلهي حتّى وافاه ، وليس من الصحيح أن يؤاخذ الأمير ورئيس القوم بإجرام واحد من قادة عسكره.
وإليه يشير قوله سبحانه : ( قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ) أي إنّ القتال فيه وإن كان صغيراً في نفسه : أمر كبير مستنكر لعظيم حرمته ، ولكن الذي ينبغي إلفات النظر إليه هو أنّ الناقدين أعني قريشاً قد إرتكبوا جريمة أكبر ممّا إرتكبه ذلك القائد