مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤١٩ - استفسارهم عن علّة عدم تحقّق الرؤيا
قد حدّث رسول الله قومه عندما عزم الرحيل لأداء فرض العمرة بأنّه رأى رؤيا انّهم دخلوا المسجد الحرام وحلقوا روؤسهم ، ولكنّهم لمّا رجعوا من الحديبية بعد أن منعوا من زيارة البيت والإطافة به ، قال بعض أصحابه : ألم تقل يا رسول الله انّك تدخل مكّة آمنا ؟ قال : بلى ، اَفَقلت لكم من عامي هذا ؟ قالوا : لا. قال : فهو كما قال لي جبرئيل ، وإليه أشار سبحانه بقوله :
( لَّقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إِن شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ) ( الفتح / ٢٧ ).
والآية تشير إلى عمرة القضاء التي أتى بها رسول الله في السنة التالية للحديبية ، وهي سنة سبع من الهجرة في ذي القعدة الحرام ، وهو الشهر الذي صدّه فيه المشركون عن المسجد الحرام ، فخرج النبي ، ودخل مكّة مع أصحابه معتمرين ، فأقاموا بمكّة ثلاثة أيام ، ثم رجعوا إلى المدينة ، فلمّا قدم رسول الله مكة أمر أصحابه ، فقال : اكشفوا عن المناكب واسعوا في الطواف ، ليرى المشركون جلدهم وقوّتهم ، وكان أهل مكّة من النساء والصبيان ينظرون إليهم ، وهم يطوفون بالبيت ، وكان عبد الله بن رواحة يرتجز بين يدي رسول الله متوشّحاً سيفه ، ويقول :
|
خلوا بني الكفّار عن سبيله |
|
قد أنزل الرحمن في تنزيله |
||
|
في صحف تتلى على رسوله |
|
اليوم نضربكم على تأويله |
||
|
كما ضربناكم على تنزيله |
|
ضرباً يزيل الهام عن مقيله |
||
|
ويذهل الخليل عن خليله |
|
يا رب إنّي مؤمن لقيله |
||
|
|
إنّي رأيت الحق في قبوله [١] |
|
||
[١] السيرة النبويّة لابن هشام : ج ٢ ص ٣٧٠ ـ ٣٧٢ ، ومجمع البيان : ج ٩ ص ١٩١ ( طبع بيروت ).