مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٢٨ - (٨) في رحاب الهجرة إلى يثرب
والضمير في قوله : ( أَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ) يرجع إلى النبيّ بشهادة قوله : ( وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ). فما هي النكتة في أفراد الضمير ؟
روى البيهقي عن ابن عباس كان رسول الله بمكّة فاُمر بالهجرة واُنزل عليه : ( وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا ) ( الإسراء / ٨٠ ) [١].
وقد نقل غير واحد من المفسّرين : إنّ النبيّ لما بلغ في هجرته الجحفة تذكّر موطنه ، فنزل عليه الوحي مبشّراً بأنّه سوف يرد إلى موطنه ويزوره ، قال سبحانه : ( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ) ( القصص / ٨٥ ).
روى السيوطي : « لما خرج النبي من مكّة فبلغ الجحفة إشتاق إلى مكّة فأنزل الله : ( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ) : إلى مكّة ، وعن علي بن الحسين عليهالسلام قال : كل القرآن مكّي أو مدني غير قوله : ( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ) فإنّها اُنزلت على رسول الله بالجحفة حين خرج إلى المدينة فلا هي مكّية ولا مدنية ، وكل آية نزلت على رسول الله قبل الهجرة فهي مكيّة نزلت بمكة أو بغيرها من البلدان ، وكل آية نزلت بالمدينة بعد الهجرة فإنّها مدنيّة نزلت بالمدينة أو بغيرها من البلدان » [٢].
وقد أشار الذكر الحكيم إلى موطنه صلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله : ( وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ ) ( محمد / ١٣ ).
[١] دلائل النبوّة : ج ٢ ص ٥١٦ ، وأخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن ، باب تفسير سورة الإسراء الحديث ٣١٣٩.
[٢] الدر المنثور في التفسير بالمأثور : ج ٥ ص ١٣٩ و ١٤٠ ، ومجمع البيان : ج ٧ ص ٢٦٨ و ٢٦٩.