مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٥٠ - النداء بنعي النبي
والذي زاد في الطّين بلّة وأعان على تمّزق الصفوف ، وتفرّق المسلمين عن ساحة الحرب ، ولجوئهم إلى مخابئ الجبل وثناياه ، سماعهم خبراً مكذوباً يهتف بموت النّبي ، إذ نادى أحد المشركين أنّ محمّداً قد قتل ، فعند ذلك سقط ما في أيدي المسلمين ، وتفرّقوا في كل وجه ، وصعدوا الجبل ، والتجاؤا إلى المخابئ ، فلم يبق إلاّ الأقل القليل من أصحابه.
هذه هي الحالة التّي صار إليها المسلمون. وأمّا المشركون ، فقد امتلأوا فرحاً وطرباً ، واستنهضت هممهم كل يريد أن يشفي غليله بالمساعدة على الإجهاز على النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم.
وفي هذه المرحلة الرهيبة كيف يتصوّر حال النبيّ ؟ فهو بين تجرّع مرارة جلاء أصحابه من ساحة القتال ، وبين مضض هجوم عدوّه بشراسة وحماسة تجاه موقعه وموضعه الّذي ربض فيه.
فلم يصمد معه في ساحة المعركة إلاّ شرذمة قليلة ، وعلى رأسهم ابن عمّه علي بن أبي طالب ، وأبو دجانة سمّاك بن خرشة ، وكلّما حملت طائفة على رسول الله استقبلهم علي عليهالسلام ، فدفعهم عنه حتّى تقطّع سيفه ، فدفع إليه رسول الله سيفه ذا الفقار ، وانحاز رسول الله إلى ناحية جبل اُحد ، فصار القتال من وجه واحد ، فلم يزل علي يقاتلهم حتّى أصابه في رأسه ووجهه ويديه سبعون جراحاً. كان علي يدافع عن ساحة النّبي ، والنّبي يريد اللجوء إلى جانب الجبل ، كان النّبي على هذه الحالة إذ عرفه أحد أصحابه وهو كعب بن مالك ، عرفه من عينيه وهما تزهران من تحت المغفر ، فنادى بأعلى صوته : يا معشر المسلمين ، أبشروا ، هذا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم. فأشار إليه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : أن أنصت [١] وإذا أردت أن تقف عن كثب على حقيقة الحال ، وعلى ما حاق
[١] السيرة النبويّة ج ٢ ص ٨٣ ، والمغازي للواقدي ج ١ ص ٢٣٦.