مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤١٨ - الأخذ بالحائطة للحفاظ على دماء المؤمنين ، الآية الاُولىٰ تشير إلى أمرين
وبذلك تصيب المسلمين معرّة ومكروه ، وهو قتل المسلم بيد المسلم ، وبالتالي يعيب المشركون المسلمين بأنّهم قتلوا أهل دينهم ، مضافاً إلى أنّه كان يجب عليهم الكفّارة والديّة ، ولأجل هذه الاُمور مجتمعة ، كفّ أيدي المؤمنين عن المشركين ، وانتهى الأمر بالصلح ، لولا ذلك لأمركم بالجهاد ، وإليه الإشارة في قوله تعالى : ( وَلَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ).
نعم قضت حكمته بذلك ليدخل في رحمته أُولئك المؤمنين غير المتميّزين ، وينجوبهم من القتل ، ويحفظ جيش المسلمين من لحوق المعرّة والندامة بهم.
ولو كان المؤمنون مميّزين عن الكفّار ، لعذّب الذين كفروا من أهل مكة ، ولكن لم يعذّبهم ( بأيديكم ) رعاية لحرمة من اختلط بهم من المؤمنين وإليه يشير قوله : ( لِّيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) ( الفتح / ٢٥ ). ثمّ إنّه سبحانه يشير إلى جهة استحقاقهم العذاب ، وهي رسوخ حمّية الجاهلية ، واَنَفَتِها وعاداتها في قلوبهم ، والمراد منها التشبّث ، والتمسّك بما كان عليه آباؤهم ، فقد كانت عادة آبائهم في الجاهلية أن لا يذعنوا لأحد ولا ينقادوا له ، وعلى ذلك أصبحوا بعد ظهور الإسلام ، فكانوا يقولون :
« قد قتل محمد وأصحابه آبائنا وإخواننا ، فلو دخل علينا في منازلنا لتحدّثت العرب إنّهم دخلوا علينا على رغم أنفنا » ، وهذا هو الذي سمّاه تعالى الحميّة الجاهلية ، أي أنفتهم من الإقرار لمحمد بالرسالة ، وحتى الاستفتاح ببسم الله الرحمن الرحيم ، وإليه يشير قوله سبحانه : ( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ ).
ولكنّه سبحانه لا يترك المؤمنين وأنفسهم ( فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ ... ).