مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٨ - النسيء في الأشهر الحرم
ويستحلّونها في محرّم فيمكثون على ذلك زماناً ثمّ يزول التحريم عن صفر ويعود إلى محرّم ، وهذا هو المعنى بالنسيء ( أي التأخير ).
وكان الدافع وراء هذا النسيء هو انّهم أصحاب حروب وغارات ، فكان يشقّ عليهم أن يمتنعوا عن القتال ثلاثة أشهر متوالية وهي : ذو القعدة وذو الحجة ومحرّم ، ولا يغزون فيها ، ولهذا كانوا يؤخّرون تحريم الحرب في محرّم إلى شهر صفر ، قال سبحانه :
( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) ( التوبة / ٣٧ ).
روى أهل السير أنّه صلىاللهعليهوآلهوسلم قال في خطبة حجّة الوداع :
« ألا وانّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ، السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ، ذو القعدة وذو الحجّة ومحرّم ورجب مضربين جمادى وشعبان » [١].
والحديث يعرب عن شكل آخر للنسيء غير ما ذكرناه فإنّ ما ذكرناه كان مختصاً بتأخير حكم الحرب من محرّم إلى صفر ، ولكن النسيء المستفاد من الحديث على وجه آخر وهو انّ المشركين كانوا يحجّون في كل شهر عامين فحجّوا في ذي الحجة عامين ، وحجّوا في محرّم عامين ، ثمّ حجوا في صفر عامين ، وكذا في بقيّة الشهور اللاحقة حتّى إذا وافقت الحجّ التي قبل حجّة الوداع في ذي القعدة ثمّ حجّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في العام القادم حجّة الوداع ، فوافقت في ذي الحجة ، فعند ذلك قال النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : « ألا انّ الزمان قد استدار كهيئته ».
[١] مجمع البيان ج ٣ ص ٢٢.