مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤١٦ - نبوءة غيبية
( وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً * وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ) ( الفتح / ٢٢ ـ ٢٤ ).
إنّ سورة الفتح اشتملت على أنباء غيبيّة مضى ذكر أكثرها ، والآية الاُولى تتضمن الإشارة إلى واقعة غيبيّة ، فالله سبحانه يبشّر عباده المؤمنين بأنّه لو ناجزهم المشركون لولّوا فراراً مهزومين على أعقابهم لا يجدون وليّاً يأخذ بأيديهم ، ويذود عنهم.
ثمّ الآية الثانية تشير إلى سنّة الله سبحانه في حق أنبيائه وأوليائه ، وهي أنّ نصرتهم هي سنّة الله تبارك وتعالى في أنبيائه والمؤمنين بهم إذا صدقوا وأخلصوا نيّاتهم ، فيظهرهم على أعدائهم ، قال سبحانه : ( كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ) ( المجادلة / ٢١ ).
ولأجل أنّ سنّة الله سبحانه تقتضي اظهار الأنبياء بمظهر القوّة والغلبة ، فقد كفّ أيدي المشركين عن المؤمنين في معسكر الحديبيّة قبل انعقاد الصلح ، كما كفّ أيدي المؤمنين عنهم بعد أن أظفرهم بهم ، ولعلّ الآية الثالثة تتضمّن الإشارة إلى أنّ قريشاً كانوا بعثوا أربعين رجلاً منهم أو خمسين رجلاً ، وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ليصيبوا لهم من أصحابه أحداً ، فاُخذوا أخذاً ، فأتي بهم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فعفا عنهم ، وخلّى سبيلهم ، وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بالحجارة والنبل » [١].
[١] السيرة النبويّة لابن هشام : ج ٢ ص ٣١٤ ، مضت هذه الرواية في تفسير الآية : ( وَعَدَكُمُ اللهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَٰذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ ) والفرق بين الآيتين ، انّه يذكر هناك كف أيدي الكفار عن المؤمنين ، وفي المقام يذكر كف كلاً من الطائفتين عن الاُخرى.