مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٢٧ - المرحلة الثانية دعوة الأقربين
أوّلاً : إنّ النبي الأكرم كان مطّلعاً على أنّ قومه سوف يجابهونه بالعنف والشدّة ويتآمرون للقضاء عليه قبل تمكّنه من تحقيق اُمنيته ، فصيانة الدعوة من مكائد الأعداء مرهونة بوجود قوّة داخلية تحصّنها من غوائلهم ولا يمكن تصوّرها إلاّ في قومه وعشيرته من آل هاشم.
وثانياً : إنّ إنقياد قومه لدعوته وعشيرته لدعوته لدليل واضح على قداسته ونزاهته وصدق كلامه وانّهم ما رأوا منه إلا الصدق والصلاح طيلة أربعين سنة فأجابوا دعوته وصدّقوا كلامه. فإنّ الإنسان مهما كان فطناً مهتمّاً بستر عيوبه وزلاّته لا يتمكّن من سترها عن بطانته وخاصّته ، فإيمان البطانة وقبولهم دعوته دليل واضح على صفاء سريرته ، فلأجل ذلك بدأ بدعوة العشيرة قبل إعلان الدعوة العامّة ، وهذا بطبيعة الحال يكون مؤثّراً في إعداد الأرضية الصالحة لقبول المرحلة الاُخرى. وبعبارة ثانية : إنّ ضمان نجاح المصلحين في الدعوة العامّة يكمن في نجاحهم في دعوة اُسرتهم ، فلو افترضنا أنّ الداعي لم ينجح في دعوة اُسرته ، يكون حظّ نجاحه في الدعوة العامّة طفيفاً لأنّ رفض الاُسرة لدعوة المصلح وعدم إيمانها به ، سوف يتّخذ ذريعة إلى تقوّل الآخرين وسخريتهم بأنّه لو كان الصادع محقّاً في كلامه فاُسرته أولى بقبول دعوته.
وقد نقل المفسّرون وأهل السير في تفسير قوله سبحانه : ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) كيفيّة دعوة الاُسرة ، وإليك نصّ ما ذكره الطبري في تاريخه عن عليّ عليهالسلام : لمّا نزلت هذه الآية على رسول الله فقال لي : يا علي ! إنّ الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين ، فضقت بذلك ذرعاً وعرفت أنّي متى أبدأهم بهذا الأمر أرىٰ منهم ما أكره ، فصمّمت عليه حتى جاءني جبرئيل ، فقال : يا محمد إنّك إن لم تفعل ما تؤمر به يعذّبك ربّك ، فاصنع لنا صاعاً من طعام واجعل عليه رجل شاة واملأ لنا عِسّاً من لبن ثم إجمع لي بني عبد المطلب [١] ، حتى اُكلّمهم واُبلّغهم ما اُمرت به ، ففعلت ما أمرني به ثمّ دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلاً ، يزيدون رجلاً أو ينقصونه ، فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعبّاس وأبو لهب ، فلمّا إجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي
[١] وفي البداية والنهاية ج ٣ ص ٤٠ « بني هاشم » وهو الأصح.