مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٧٨ - مباهلة النبي نصارى نجران
والجواب : إنّ القبلة قبلة ما لم تنسخ وإنّ الله سبحانه إذا نسخ حكماً نسخه من حين النسخ لا من أصله لرأفته ورحمته بالمؤمنين ، وإليه يشير قوله سبحانه : ( وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) ( البقرة / ١٤٣ ).
وأمّا الإقتراح الذي تقدّمت به اليهود إلى النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم من رجوعه إلى القبلة السابقة حتّى يتّبعوه ويصدّقوه فإنّما هو وعد مكذوب لا يتّبعون قبلته إلى آخر الدهر ، وإليه يشير قوله سبحانه : ( وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ) ( البقرة / ١٤٥ ).
والمراد من الإيمان في الآية في قوله : ( مَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ) هو العمل. قال ابن عباس : قالوا كيف بمن مات من إخواننا قبل ذلك ؟ وكان قد مات أسعد بن زرارة والبراء بن معرور وكانا من النقباء.
وبذلك يعلم أنّ ما ذكره سبحانه قبل هذه الآيات من قصّة إبراهيم وأنواع كرامته وكرامة ابنه إسماعيل ودعوتهما للكعبة ومكّة وللنبيّ والاُمّة المسلمة وبنائهما البيت والأمر بتطهيره للعبادة ، كل ذلك تمهيد لحادثة تغيير القبلة واتّخاذ الكعبة قبلة ، فإنّ تحويل القبلة من أعظم الحوادث الدينية وأهم التشريعات التي قوبل بها الناس بعد هجرة النبيّ إلى المدينة. فكانت محتاجة إلى ترويض النفوس لقبولها.
٢٨ ـ مباهلة النبيّ نصارى نجران : [١]لمّا كتب رسول الله إلى ملوك العرب والعجم رسائلة التبليغية وبعث رسله إلى
[١] نجران في مخاليف اليمن من ناحية مكة ، وبها كان خبر الأخدود واليها تنسب كعبة نجران ، وكانت بيعة ، بها أساقفة مقيمون منهم السيّد والعاقب اللّذان جاءا إلى النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في أصحابها ودعاهم إلى المباهلة وبقوا بها حتّى أجلاهم عمر. وقال زيني دحلان :