مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٤٠ - ذاتية التوحيد وظاهرة التثليث
المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ المَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ) ( المائدة / ٧٢ ).
فالآية تعرب عن أنّ المسيح عند طائفة منهم هو الربّ الخالق ، وبعبارة اُخرى : إنّ الله إتّحد بالمسيح إتّحاد الذات ، فصارا شيئاً واحداً وصار الناسوت لاهوتاً [١].
والذين يقولون من النصارى : إنّ الله هو المسيح ابن مريم هم اليعقوبية ، واللائق بهذا القول هو إنكار التثليث ، ولكنّ لا يخلوا مذهب من مذاهب النصارى منه ، وقد ردّ القرآن على ذلك الزعم بما نقله عن المسيح بأنّه قال : ( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ... ) فهو يدّل على أنّه عبد مثلهم كما أنّ قوله : ( إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ) يدلّ على أنّ من يجعل لله شريكاً في الوهيّته ، فهو مشرك كافر ، محرّم عليه الجنّة. وفي هذا القول مزيد عناية بإبطال ما ينسبونه إلى المسيح من حديث التفدية وأنّه عليهالسلام باختياره الصلب فدى بنفسه عنهم ، فهم مغفور لهم ، مرفوع عنهم التكاليف الإلهية ، ومصيرهم إلى الجنة ولا يمسّون ناراً.
كيف يقولون ذلك مع أنّه عليهالسلام كان يقول : ( مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ) [٢].
ب ـ الله ثالث ثلاثة أو الثالوث المقدّس :
وكان هناك قسم آخر من الإنحراف عن خط التوحيد يتجسّد في القول بأنّ الله ثالث ثلاثة كما يحكيه قوله سبحانه :
( لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلاَّ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ( المائدة / ٧٣ ) والقائل بهذه
[١] مجمع البيان : ج ٢ ص ٢٢٨.
[٢] التبيان : ج ٣ ص ٥٨٧.