مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١١٩ - فرية انقطاع الوحي وفتوره
ثانياً ، ثمّ عاد السائل فأعطى وهكذا ثلاث مرّات ، فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم ملاطفاً لا غضبان : أسائل أنت يا فلان أم تاجر ؟ فتأخّر الوحي أيّاماً فاستوحش فنزلت.
وثالثة : رووا عن ابن أبي شيبة في مسنده والطبراني وابن مردويه من حديث خولة ، وكانت تخدم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أن جرواً دخل تحت سرير رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فمات ولم تشعر به ، فمكث رسول الله أربعة أيّام لا ينزل عليه الوحي ، فقال : يا خولة ! ما حدث في بيت رسول الله ؟ جبرئيل لا يأتيني ! فقلت يا نبي الله ما أتى علينا يوم خير من هذا اليوم ، فأخذ برده فلبسها وخرج ، فقلت في نفسي لو هيّأت البيت وكنسته ، فأهويت بالمكنسة تحت السرير فإذا بشيء ثقيل فلم أزل به حتى بدا لي الجرو ميّتاً ، فأخذته بيدي فألقيته خلف الدار ، فجاء النبي ترعد لحيته ، وكان إذا نزل عليه الوحي أخذته الرعدة ، فقال يا خولة دثّريني ، فأنزل الله تعالى : ( وَالضُّحَىٰ * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ ) [١].
ورابعة : انّ المسلمين قالوا : يا رسول الله مالك لا ينزل عليك الوحي ؟ فقال : وكيف ينزل عليّ وأنتم لا تنقّون رواجبكم ، وفي رواية : براجمكم ، ولا تقصّون أظفاركم ، ولا تأخذون من شواربكم ، فنزل جبرئيل بهذه السورة ، فقال النبي : ما جئت حتى اشتقت إليك ، فقال جبرئيل : وأنا كنت أشدّ إليك شوقاً ، ولكنّي عبد مأمور ، ثمّ أنزل عليه : ( وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ ) ( مريم / ٦٤ ) [٢].
إنّ الإضطراب في أسباب فتور الوحي يعرب عن عدم صحّة الرواية.
أمّا الأوّل : فلو صحّ فيلزم كون زمان إنقطاع الوحي في العام السابع من البعثة لأنّ قريشاً أرسلت النضر بن الحارث وابن أبي معيط إلى أحبار اليهود يسألانهم عن النبي الأكرم ، وقالا لهم : إنّكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا ، فقالت لهم أحبار اليهود : سلوهُ عن ثلاث نأمركم بهنّ ، فجاؤوا إلى رسول الله ، وقالوا : يا محمّد أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأوّل ، قد كانت لهم قصّة عجب ،
[١] روح المعاني ج ١٠ ص ١٥٧.
[٢] تفسير القرطبي ج ٢٠ ص ٩٣ ، ومجمع البيان ج ١٠ ص ٥٥ ( طبع صيدا ).