منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٤٠ - كتابه
الموت قريب، و الدّنيا دار مقرّ. و ليس الناس للدّنيا خلقوا؛ و بالجملة أنّه ٧ وعظه و ذكّره بمرور الدّنيا و تصرّمها بأهلها لعلّ العظة و التذكرة تنفعانه، و لكن معاوية زيّن له الحياة الدّنيا و صار قلبه أشدّ قسوة من الحجارة فأنّي له أن يذّكّر، و ينفعه نصحه ٧، قال عزّ من قائل في سورة الأعلى: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى وَ يَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَ لا يَحْيى.
قوله ٧: «و خير ما بقي من الدّنيا ما أصاب العباد الصادقون فيما مضى» هذه عظة اخرى له. و كلمة من الجارة صلة بقي لا أنّها بيانيّة تبيّن ما، و ما الثانية خبر خير، و العباد فاعل أصاب، و الضمير العائد إلى ما الثانية محذوف أي ما أصابه العباد لأنّه يجوز حذف العائد المنصوب إذا كان متصلا منصوبا و ناصبه فعل أو وصف غير صلة الألف و اللّام نحو يعلم ما يسرّون و ما يعلنون أي يسرّونه و يعلنونه. و لم يبيّن ما الثانية ليذهب نفس السامع إلى كلّ مذهب خير و رأسه التقوى كما أتى بها في نسخة الشارح المعتزلي. و ما الثالثة يمكن أن تفسّر إمّا بالزّمان أي في الزّمان الّذي مضى من عمرهم، قال تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ- إلى قوله: كُلُوا وَ اشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ (الحاقة ٢٠- ٢٥) أو بالامور و الأفعال و نحوهما أي في بين الامور الّتى مضت منهم و صدرت عنهم فتذكير الفعل على هذا الوجه باعتبار ظاهرها.
قوله ٧: «و من نسي الدّنيا نسيان الاخرة يجد بينهما بونا بعيدا» كانت نسخة الشارح المعتزلي: «من يقس الدّنيا بالاخرة يجد بينهما بونا بعيدا» و معناها واضح و الغرض انّ العاقل لا يبيع الدار الباقية بالفانية و لا يخرب الاولى لأجل الثانية قال عزّ من قائل: إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَ يَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا (الدّهر- ٢٨).
و أمّا النسخة الاخرى فمعناه أنّ من زهد في الدّنيا مثل من زهد في الاخرة يجد بين الدّنيا و الاخرة بونا بعيدا، أي يجد ذلك الّذي ترك الدّنيا بينه و بين