منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢١٦ - الحرب خدعة
و ولدي و تحسن إليهم و تخلفني فيهم، ثمّ اقطع يديّ و رجليّ و القني على طريق فيروز حتّى يمرّبي هو و أصحابه فأكفيك مئونتهم و شوكتهم و أورّطهم مورّطا تكون فيه هلكتهم.
فقال له اخشنوار: و ما الّذي تنتفع به من سلامتنا و صلاح حالنا إذا أنت قد هلكت و لم تشركنا في ذلك؟
قال: إنّي قد بلغت ما كنت احبّ أن أبلغه من الدّنيا و أنا موقن بأنّ الموت لا بدّ منه و إن تأخّر أيّاما قلائل، فاحبّ أن أختم عمري بأفضل ما تختم به الأعمار من النّصيحة لإخواني و النكاية في عدوّي فيشرف بذلك عقبي و اصيب سعادة و حظوة فيما أمامى.
ففعل به ذلك و أمر به فلمّا مرّ به فيروز سأله عن أمره فأخبره أنّ اخشنوار فعل ذلك به و أنّه احتال حتّى حمل إلى ذلك الموضع ليدلّه على عورته و غرّته، و قال: إنّي أدلّك على طريق هو أقرب من هذا الّذي تريدون سلوكه و أخفى، فلا يشعر اخشنوار حتّى تهجموا عليه فينتقم اللّه لي منه بكم، و ليس في هذا الطريق من المكروه إلّا تفويز يومين ثمّ تفضون إلى كلّ ما تحبّون.
فقبل فيروز قوله بعد أن أشار عليه و زراؤه بالإتّهام له و الحذر منه و بغير ذلك فخالفهم و سلك الطريق حتّى انتهى بهم إلى موضع من المفازة لا صدر عنه ثمّ بيّن لهم أمره فتفرّقوا في المفازة يمينا و شمالا يلتمسون الماء فقتل العطش أكثرهم و لم يخلص مع فيروز منهم إلّا عدّة يسيرة فإنّهم انطلقوا معه حتّى أشرفوا على أعدائهم و هم مستعدّون لهم فواقعهم على تلك الحاله و على ما بهم من الضرّ و الجهد فاستمكنوا منهم و أعظموا النكاية فيهم.
ثمّ رغب فيروز إلى اخشنوار و سأله أن يمنّ عليه و على من بقي من أصحابه على أن يجعل لهم عهد اللّه و ميثاقه ألّا يغزوه أبدا فيما يستقبل من عمره؛ و على أنّه يحدّ فيما بينه و بين مملكته حدّا لا تجاوزه جنوده، فرضى اخشنوار بذلك و خلّى سبيله و انصرف إلى مملكته.