منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٤٣ - المعنى
أمّا بعد فقد جاءني كتابك تذكر: «أنّك لو علمت و علمنا أنّ الحرب تبلغ بنا و بك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض» نقل كلام معاوية أوّلا فأجابه بقوله:
فإنّا و إيّاك منها في غاية لم نبلغها، و إنّي لو قتلت في ذات اللّه و حيّيت ثمّ قتلت ثمّ حيّيت سبعين مرّة لم أرجع عن الشدّة في ذات اللّه و الجهاد لأعداء اللّه.
و ضمير منها يرجع إلى الحرب، و كلمة لم تبلغها جاءت في نسخة نصر بتاء الخطاب و في نسخة كنز الكراجكي بياء الغيبة و في سائر النسخ بنون المتكلّم مع الغير، و الأخير أنسب بسياق الكلام، و المراد: أنّا نلتمس و ننتظر من الحرب غاية لم نبلغها بعد، أي إنّي أعلم أنّ الحرب ستشبّ إلى حدّ يكون ما مضى منها دونه.
و كلامه هذا إذعار معاوية و إرغامه في قبال قوله ذلك، و تهديد و تخويف و ايعاد إيّاه بأنّ أمره سيئول إلى أشدّ من ذلك و أنّ عاقبته و خيمة و أنّ عاقبة الّذين أساءوا السّوأى، و إنبائه بنفسه أي إنّي لعلى بصيرة و بيّنة من ربّي و إنّي لعلى الطّريق الواضح، ثمّ أكّده بقوله: و إنّي لو قتلت في ذات اللّه و حيّيت ثمّ قتلت ثمّ حيّيت سبعين مرّة لم أرجع عن الشّدّة في ذات اللّه و الجهاد لأعداء اللّه، و أعلمه بذلك ثبات قدمه في الدّين، و كونه على النهج القويم و الصّراط المستقيم، و عدم بأسه من القتال و القتل في سبيل اللّه و لو قتل و حيّي سبعين مرّة، و عرّف في أثناء قوله معاوية و من سلكوا مسلكه و اتّبعوا مأخذه بأنّهم كافرون لأنّهم أعداء اللّه.
و اعلم أنّ أولياء اللّه لكونهم على بيّنة من ربّهم لا يبالون وقعوا على الموت أو وقع الموت عليهم، و لا يخافون من القتل في سبيل اللّه و لا من القتال في سبيله، و يعلمون أنّهم لا يتربّصون بالأعداء إلّا إحدى السوئين، و أنّ الأعداء لا يتربّصون بهم إلّا إحدى الحسنيين إمّا الفتح و إمّا الشّهادة كما قال اللّه تعالى خطابا لرسوله صلّى اللّه عليه و اله: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَ نَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (التوبة ٥٣).