منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٠٠ - الكلام في حدوث الفجر و تعاكس الصبح و الشفق و البحث عن مسائل شتى متنوعة
و بما قدّمنا علمت أن ما جنح إليه العلّامة البيروني في القانون المسعوديّ (٩٤٩ ج ٢) من أنّه لا يتعلّق بالفجر الأوّل شيء من الأحكام الشرعيّة و لا من العادات الرسميّة، ليس باطلاقه صحيحا.
فالأحكام الشرعيّة أكثرها متعلّقة بالثاني فالمرويّ عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله: لا يغرنّكم الفجر المستطيل فكلوا و اشربوا حتّى يطلع الفجر المستطير، فأوّل النهار طلوع الفجر الثاني، و يدلّ عليه القرآن الكريم: كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ (البقرة- ١٨٦) فالخيط الأبيض بياض الفجر المعترض الممدود المستطيل أي الفجر الثاني لأنّه أوسع ضياء و يناسب قوله تعالى حتّى يتبيّن، و الخيط الأسود سواد اللّيل، قال أبو داود الأياديّ في الخيط الأبيض:
|
و لما أضاءت لنا غدوة |
و لاح من الصبح خيط أنارا |
|
[١] و قال آخر في الخيط الأسود:
|
قد كاد يبدو و بدت تباشره |
و سدف الخيط البهيم ساتره |
|
ففي الاية استعارة عجيبة و المراد حتّى يتبيّن بياض الصبح من سواد اللّيل و عبّرهما بالخيطين مجازا.
و الظاهر أنّ وجه تشبيههما بالخيط لدقّتهما كالخيط لأنّ بيضا الصبح في أوّل طلوعه يكون مشرقا خافيا فيزداد انتشارا، و سواد اللّيل وقتئذ يكون منقضيا مولّيا فيزداد استتارا فهما جميعا ضعيفان دقيقان كالخيط.
و تحقيقه أنّ الفصل المشترك بين ما انفجر أي انشقّ من الضياء و بين ما هو مظلم بعد يشبه خيطين اتّصلا عرضا فالّذي انتهى إليه الضياء الخيط الأبيض و الّذي ابتدأ منه الظلام الخيط الأسود.
[١] المصراع الاول قد يروى هكذا: و لما تبدت لنا سدفة، و قد يروى: و لما أضاءت لنا سدفة، و في بعض النسخ ظلمة مكان غدوة، و السدفة: الضياء المخلوط بالظلام. منه.