منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢١١ - المعنى
الدّين و سلب للدّنيا مع الذلّ و الصغار، و فيه استيجاب النّار بالفرار من الزّحف عند حضرة القتال يقول اللّه عزّ و جلّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ.
و استثنى جلّ و علا من حرمة الفرار حالتين إحداهما إذا كان المجاهد متحرّفا لقتال، فقال في الكشّاف: و هو الكرّ بعد الفرّ يخيّل عدوّه أنّه منهزم ثمّ يعطف عليه و هو باب من خدع الحرب و مكائدها.
و نحوه النيسابوري في غرائب القرآن، و البيضاويّ في أنوار التنزيل حيث قال في معناه: يريد الكرّ بعد الفرّ و تغرير العدوّ فانّه من مكائد الحرب.
و قال الطبرسيّ في المجمع: و قيل معناه إلّا منعطفا مستطردا كأنّه يطلب عورة يمكنه اصابتها فيتحرّف عن وجه و يرى أنّه يفرّ ثمّ يكرّ و الحرب كرّ و فرّ.
و القول الاخر في تفسير قوله تعالى: إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ هو أنّ من ولّى دبره يبغي موقفا أصلح للقتال من الموقف الأوّل فهو خارج عن حرمة الفرار من الزّحف و الحق إنّه شامل على كلا القولين، أي إنّ الفارّ عن الزّحف قد باء بغضب من اللّه إلّا أن يدبر عن القتال و ينحرف عن مضيق إلى اتّساع لتجول الخيل، أو من معاطش إلى مياه، أو كانت الشمس أو الريح في وجهه فاستدبرها، أو كان يوهم باستدباره خصمه أنّه منهزم منه ليغريه باتّباعه فينفرد عن أشياعه فيكرّ عليه فيقتله و ما أشبه ذلك.
و ثانيتهما إذا كان متحيّزا إلى فئة، و التحيّز طلب حيّز يتمكّن فيه و المعنى أو كان منحازا و منتقلا إلى جماعة اخرى من المسلمين أي غير الجماعة الّتي كان فيها و هم الّذين يريدون قتال الأعداء و الجهاد في سبيل اللّه فهو يريد أن يستعين بهم عليهم.
و عن ابن عبّاس أنّ الفرار من الزّحف في غير هاتين الصورتين من أكبر الكبائر كما في الكشّاف و غرائب القرآن.
و قد روى أهل السنّة عن أبي هريرة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله قال: اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و ما هنّ؟ قال: الشّرك باللّه، و السحر، و قتل