الاعمال الفلسفية - الفارابي، أبو نصر - الصفحة ٧٢ - ٣ -«التعليقات» بين الفارابي و ابن سينا
سينوية، سواء في «التعليقات» ٤٩ أو في موارد فلسفية أخرى. فلا مشاحة في أنّ الشيخ الرئيس هو الفيلسوف الأوحد الذي أدرك بدقة و عمق أفكار أستاذه بما لم يتوفّر عليه الآخرون ممّن جاءوا من بعده.
و في ضوء هذا الذي قلناه، لا نجد ما يمنع من وضع الفرض الذي يرى أنّ الشيخ الرئيس استعار أو اقتبس بعض أفكار الفارابي و تنظيراته في «التعليقات»- رغم ما يحمل هذا الفرض من تعسف في إلحاق التهمة بابن سينا مباشرة، و ذلك باحتواء نصوص الفارابي في «التعليقات» كاملة غير منقوصة!. لكن التهمة تقف عند حدودها اللازمة لها و لا تتعداها؛ و لإيضاح هذا الموقف أقول؛ إنّنا على معرفة تامة من الناحية التاريخية و التأليفية؛ بأنّ هذه «التعليقات» السينوية علّقها و دوّنها تلميذه الذي أشرنا إليه في أعلاه .. و من هنا، فهل أجاز هذا التلميذ لنفسه إدخال النصوص الفارابية ضمن تحريره لتعليقات أستاذه ابن سينا؟. و هل تمّ عمله هذا بمعرفة الشيخ الرئيس؟ .. أم أنّ التلميذ تصرّف بشكل شخصي استجابة لرغبة فردية بحت لا علاقة لابن سينا بها لا من قريب أو من بعيد؛ سوى كون «التعليقات» هي من أقواله و عباراته؟. و للوقوف على حلول شافية لهذه الإشكالات، لا بدّ من البحث أولا عن زمن تعليق هذه «التعليقات»- أي الفترة التي دوّن فيها بهمنيار أقوال أستاذه ابن سينا .. و عند العود إلى تعيين المراحل الزمنية لا نجد وسيلة كافية تقود بشكل يقيني إلى تحديد زمان تدوينها. فمثلا يرى الدكتور عبد الرحمن بدوي في نشرته التحقيقية للتعليقات السينوية أنّها دوّنت في الفترة التي كان خلالها بهمنيار يلازم فيها أستاذه الشيخ الرئيس؛ و هو ما بين عام (٤٠٤ ه) و عام (٤١٢ ه)، و لا دليل على هذا الفرض سوى فكرة «الملازمة»-