الاعمال الفلسفية - الفارابي، أبو نصر - الصفحة ٣٢ - ١ - التعريف العام بالكتاب و غاياته
(ج)- أفعال تخضع في قيامها لعامل التمييز الذهني عند الإنسان.
و جميع هذه الأفعال- إذا قيست من وجهة نظر أخلاقية- تخضع لما يسميه الفيلسوف الفارابي بجودة التمييز أو رداءته. و لكن من أين لنا قنية هذه الجودة في التمييز؟- ذلك هو الأصل و هو الغاية في مبحث التنبيه على سبيل السعادة التي قصدها الحكيم.
فنحن لا ننال السعادة بالأفعال الجميلة ما لم تكن تلك الأفعال قاصدة هادفة من جهة، و متحققة بصناعة معينة من جهة أخرى؛ بحيث يعود الكائن الناطق يمتلك قدرة على التمييز في أفعاله المختارة طيلة حياته بأسرها. و ذلك لأنّه في فطرته يمتلك استعدادا لها يستطيع- في حال التطبيق الذاتي و التعلّم- أن يميز بين الصواب و الخطأ، و بين الجميل و القبيح؛ في تعادل تفرضه أحيانا إمكانية أحدهما على الآخر، أو غلبة أحدهما على الآخر.
و على الرغم من هذا؛ فإنّ القوّة التي يفطر عليها الإنسان غير مكتسبة، بينما حال التمييز تتصف بالاكتساب. و الأخيرة منهما تنقسم إلى صنفين: أحدهما به يكون التمييز؛ إمّا جيّدا و إمّا ردءا .. و الآخر به تكون الأفعال و عوارض النفس إمّا جميلة و إمّا قبيحة. و الأخير من الصنفين يدعوه الفيلسوف بالخلق- و يحدّه «بأنّه الذي تصدر به عن الإنسان الأفعال القبيحة و الحسنة» على أن تخضع الأفعال و يخضع التمييز للثوابت التي تلزم الإنسان بأن تكون أفعاله و تمييزه في كل شيء؛ كي يمكن عندئذ إدامة فعل الجميل و جودته معا؛ بحيث تصير «لنا قوّة الذهن ملكة لا يمكن زوالها» باعتبار أنّ «الخلق الجميل و قوّة الذهن هما الفضيلة الإنسانية».