كفاية الأصول في أسلوبها الثاني - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٤٨٨ - فكرة الأمر بين الأمرين
و ربما يدعم التفسير المذكور ببعض الشواهد القرآنية، من قبيل:
قوله تعالى: وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ،[١] حيث يدل على أن صدور الفعل من الإنسان منوط بمشيته و بمشية اللّه سبحانه و لكن مشية الإنسان متعلقة بذات الفعل بينما مشية اللّه متعلقة بإفاضة القدرة و الحياة.
و قوله تعالى: وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً^ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ،[٢] أي لا تقولنّ إني سأفعل الشيء الفلاني غدا، فإن اللّه سبحانه قد لا يشاء فعلك و ذلك بسلب الحياة أو القدرة عنك، فيدل ذلك على أدب قرآني و أنه في مقام التعبير لا بدّ و أن يعبّر المؤمن هكذا: إن شاء اللّه سبحانه فإني سأفعل الشيء الفلاني غدا.
و بناء على هذا يستفاد أن صدور الفعل من الإنسان يحتاج إلى مشية اللّه و مشية الإنسان نفسه، و لكن مشية الإنسان تتعلق بالفعل الصادر منه بينما مشية اللّه تكون متعلقة بحياة الإنسان و قدرته.
هذا و يحتمل أن يكون مقصود الآية شيئا آخر، و هو أنه ينبغي للمؤمن أن لا ينسب صدور الفعل إلى نفسه حتّى مع التعليق على مشية اللّه سبحانه، و بناء على هذا يكون قوله: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ جزءا من مقول القول، أي لا تقولوا حتّى هذا التعبير: سأفعل غدا الشيء الفلاني إن لم يشأ اللّه سبحانه خلاف ذلك، حيث يدل التعبير المذكور على أن الإنسان مستقل في فعله و أنه مفوّض إليه و أن الذي يضرّه هو المشية على الخلاف و لا يحتاج إلى المشية الموافقة، فتدل الآية الكريمة بناء على هذا على ابطال فكرة التفويض و لا تدل على إثبات فكرة الأمر بين الأمرين.
______________________________
(١)
الإنسان: ٣٠.
(٢) الكهف: ٢٣ و ٢٤.
[١] الإنسان: ٣٠.
[٢] الكهف: ٢٣ و ٢٤.