نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٥٢ - سورة هود
و قد ذهب إلى هذا الوجه جماعة من المفسّرين كابن عباس و قتادة و الضحّاك و غيرهم. و روى بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحّاك، عن ابن عباس قال: الذين شقوا ليس فيهم كافر؛ و إنّما هم قوم من أهل التوحيد، يدخلون النار بذنوبهم، ثمّ يتفضّل اللّه تعالى عليهم فيخرجهم من النار إلى الجنّة، فيكونون أشقياء في حال، سعداء في حال أخرى.
و أمّا تعليق الخلود بدوام السماوات و الأرض فقد قيل فيه: إنّ ذلك لم يجعل شرطا في الدوام؛ و إنّما علّق به على سبيل التبعيد و تأكيد الدوام؛ لأنّ للعرب في مثل هذا عادة معروفة خاطبهم اللّه تعالى عليها؛ لأنّهم يقولون: لا أفعل كذا ما لاح كوكب، و ما أضاء الفجر، و ما اختلف الليل و النهار، و ما بلّ بحر صوفة، و ما تغنّت حمامة، و نحو ذلك، و مرادهم التأبيد و الدوام.
و يجري كلّ ما ذكرناه مجرى قولهم: لا أفعل كذا أبدا؛ لأنّهم يعتقدون في جميع ما ذكرناه أنّه لا يزول و لا يتغيّر؛ و عباراتهم إنّما يخرجونها بحسب اعتقاداتهم، لا بحسب ما عليه الشيء في نفسه؛ ألا ترى أنّ بعضهم لمّا اعتقد في الأصنام أنّ العبادة تحقّ لها سمّاها آلهة بحسب اعتقادهم، و إن لم تكن في الحقيقة كذلك!.
و ممّا يشهد لمذهبهم الذي حكيناه قول أبي الجويرية العبديّ:
ذهب الجود و الجنيد جميعا # فعلى الجود و الجنيد السلام [١]
أصبحا ثاويين في قعر مرت [٢] # ما تغنّت على الغصون الحمام
و قال الأعشى:
ألست منتهيا عن نحت أثلتنا # و لست ضائرها ما أطّت الإبل! [٣]
[١] معجم الشعراء للمرزباني ٢٥٨، و المختلف و المؤتلف للآمدي ٧٩؛ و ذكر بعدها بيتا ثالثا:
لم تزل غاية الكرام فلمّا # متّ مات الندى و مات الكرام
و هو الجنيد بن عبد الرحمن المري، كان والي خراسان.
[٢] المرت: القفر من الأرض؛ و في المؤتلف: «بطن مرو» . و في بعض النسخ: «قعر مرو» .
[٣] ديوانه: ٤٦. أثلة كل شيء: أصله؛ و يريد بها هاهنا الحسب؛ يقال: فلان ينحت أثلتنا إذا قال-