نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٥١ - سورة هود
إنّما يكون بمشيئته و إرادته، كما يقول القائل لغيره: و اللّه لأضربنّك إلاّ أن أرى غير ذلك، و هو لا ينوي إلاّ ضربه، و معنى الاستثناء هاهنا: أنّي لو شئت ألاّ أضربك لفعلت و تمكّنت؛ غير أنّي مجمع على ضربك.
و الوجه السادس: أن يكون تعليق ذلك بالمشيئة على سبيل التأكيد للخلود، و التبعيد للخروج؛ لأنّ اللّه تعالى لا يشاء إلاّ تخليدهم على ما حكم به، و دلّ عليه؛ و يجري ذلك مجرى قول العرب: و اللّه لأهجرنّك إلاّ أن يشيب الغراب، و يبيضّ القار؛ و معنى ذلك أنّي أهجرك أبدا؛ من حيث علّق بشرط معلوم أنّه لا يحصل؛ و كذلك معنى الآيتين؛ و المراد بهما أنّهم خالدون أبدا، لأنّ اللّه تعالى لا يشاء أن يقطع خلودهم.
و الوجه السابع: أن يكون المراد بالذين شقوا من أدخل النار من أهل الإيمان، الذين ضمّوا إلى إيمانهم و طاعتهم المعاصي؛ فقال تعالى: إنّهم معاقبون في النار إلاّ ما شاء ربك؛ من إخراجهم إلى الجنّة، و إيصال ثواب طاعاتهم إليهم.
و يجوز أيضا أن يريد بأهل الشقاء هاهنا جميع الداخلين إلى جهنّم؛ ثمّ استثنى تعالى بقوله: إِلاََّ مََا شََاءَ رَبُّكَ أهل الطاعات منهم، و من يستحقّ ثوابا لا بدّ أنّه يوصل إليه فقال: إِلاََّ مََا شََاءَ رَبُّكَ من إخراج بعضهم؛ و هم أهل الثواب.
و أمّا الذين سعدوا فإنّما استثنى تعالى من خلودهم أيضا لما ذكرناه؛ لأنّ من نقل من النار إلى الجنة و خلّد فيها لا بدّ من الإخبار عنه بتأبيد خلوده من استثناء ما تقدّم؛ فكأنّه تعالى قال: إنّهم خالدون في الجنّة ما دامت السماوات و الأرض؛ إلاّ ما شاء ربك من الوقت الذي أدخلهم فيه النار، قبل أن ينقلهم إلى الجنّة.
و الذين شقوا على هذا الجواب هم الذين سعدوا، و إنّما أجرى عليهم كلّ لفظ في الحال التي تليق بهم؛ إذا أدخلوا النار و عوقبوا فيها من أهل الشقاء، و إذا نقلوا إلى الجنّة من أهل الجنة و السعادة. غ