نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٠٧ - سورة الأعراف
في العطية، و لا يخالف بينهما فيها من حيث اختلفت جهة استحقاقهما، و لا يكون قول هذا القائل عند أحد من العقلاء يقتضي سلب المعطى الثاني العطية من حيث سلبه جهة استحقاقها في الأول، فوجب بما ذكرناه أن تكون منزلة هارون من موسى عليه السّلام في استحقاق خلافته له بعد وفاته ثابتة لأمير المؤمنين عليه السّلام لاقتضاء اللفظ لها، و إن كانت تجب لهارون من حيث كان في انتفائها تنفير يمنع نبوته منه، و تجب لأمير المؤمنين عليه السّلام من غير هذا الوجه.
و ليس له أن يقول: إن ما ذكرتم حاله لم يختلفا في جهة العطية، و ما هو كالسبب لها؛ لأن القول من الموصي هو المقتضي لها، و المذكوران يتساويان فيه؛ و ذلك أن سبب استحقاق العطية في الحقيقة ليس هو القول، بل هو ما تقدم ثمن البيع و قيمة التلف أو ما جرى مجراهما و هو مختلف لا محالة، و إنما يجب بالقول على الموصى إليه العطية، فأمّا الاستحقاق على الموصي و سببه فيتقدمان بغير شك، و يزيد ما ذكرناه وضوحا أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لو صرّح به حتّى يقول: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» في خلافته له في حياته و استحقاقها له لو بقي إلى بعد وفاته إلاّ أنك لست بنبي كان كلامه صلّى اللّه عليه و آله و سلم صحيحا غير متناقض و لا خارج عن الحقيقة، و لم يجب عند أحد أن يكون باستثناء النبوة نافيا لما أثبته من منزلة الخلافة بعد الوفاة، و قد يمكن مع ثبوت هذه الجملة أن يرتب الدليل في الأصل على وجه يجب معه كون هارون مفترض الطاعة على امّة موسى لو بقي إلى بعد وفاته، و ثبوت مثل هذه المنزلة لأمير المؤمنين عليه السّلام و إن لم يرجع إلى كونه خليفة له في حال حياته و وجوب استمرار ذلك إلى بعد الوفاة فإن في المخالفين من يحمله نفسه على دفع خلافة هارون لموسى في حياته و إنكار كونها منزلة تنفصل عن نبوته و إن كان فيما حمل نفسه عليه ظاهره المكابرة و يقول: قد ثبت أن هارون كان مفترض الطاعة على امّة موسى عليه السّلام لمكان شركته له في النبوّة التي لا يتمكن من دفعها، و ثبت أنه لو بقي بعده لكان ما يجب من طاعته على جميع امّة موسى عليه السّلام يجب له؛ لأنّه لا يجوز خروجه عن النبوّة و هو حيّ، و إذا وجب ما ذكرناه و كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قد أوجب بالخبر لأمير المؤمنين عليه السّلام جميع منازل هارون من موسى و نفى أن يكون نبيّا و كان من