نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٠٦ - سورة الأعراف
لموسى عليه السّلام كانت منزلة في الدين جليلة، و درجة فيه رفيعة، و اقتضت من التبجيل و التعظيم ما يجب لمثلها لم يجز أن يخرج عنها؛ لأن في خروجه عنها زوال ما كان له في النفوس بها من المنزلة، و في هذا نهاية التنفير و التأثير في السكون إليه و من دفع أن يكون الخروج عن هذه المنزلة منفّرا كمن دفع أن يكون سائر ما عددناه منفّرا.
فإن قال: إذا ثبت فيما ذكرتموه أنّه منفّر وجب أن يجتنبه هارون عليه السّلام من حيث كان نبيا و مؤديا عن اللّه عز و جلّ؛ لأنه لو لم يكن نبيا لما وجب أن يجتنب المنفرات، فكأنّ نبوّته هي المقتضية لاستمرار خلافته إلى بعد الوفاة، و إذا كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قد استثنى في الخبر النبوّة وجب أن يخرج معها ما هي مقتضية له و كالسّبب فيه، و إذا أخرجت هذه المنزلة مع النبوّة لم يكن في الخبر دلالة على النصّ الذي تدعونه.
قيل له: إن أردت بقولك إن الخلافة من مقتضى النبوّة أنه من حيث كان نبيّا تجب له هذه المنزلة كما يجب له سائر شروط النبوّة فليس الأمر كذلك؛ لأنّه غير منكر أن يكون هارون قبل استخلاف موسى له شريكا في نبوّته، و تبليغ شرعه و إن لم يكن خليفة له فيما سوى ذلك في حياته و لا بعد وفاته، و إن أردت أن هارون بعد استخلاف موسى له في حياته يجب أن يستمر حاله و لا يخرج عن هذه المنزلة؛ لأن خروجه عنها يقتضي التنفير الذي يمتنع نبوّة هارون منه، و أشرت في ذلك أن النبوة تقتضي الخلافة بعد الوفاة إلى هذا الوجه فهو صحيح، غير أنّه لا يجب ما ظننته من استثناء الخلافة باستثناء النبوة؛ لأن أكثر ما فيه أن يكون كالسبب في ثبوت الخلافة بعد الوفاة، و غير واجب أن ينفي ما هو كالسبب عن غيره عند نفي ذلك الغير، ألا ترى أن أحدنا لو قال لوصيّه:
اعط فلانا من مالي كذا و كذا-و ذكر مبلغا عيّنه-فإنه يستحق هذا المبلغ عليّ من ثمن سلعة ابتعتها منه، و أنزل فلانا منزلة فلان الذي أوصيتك به و أجره مجراه؛ فإنّ ذلك يجب له من أرش جناية أو قيمة متلفة، أو ميراث أو غير هذه الوجوه، بعد أن يذكر وجها يخالف الأول لوجب على الوصي أن يسوي بينهما