نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٠٩ - سورة الأعراف
في حياته لا شكّ في أنها منزلة منه، و واجبة بقوله الذي ورد به القرآن، فأما ما أوجبناه من استخلافه الخلافة بعده فلا مانع من إضافته أيضا إلى موسى عليه السّلام؛ لأنّه من حيث استخلفه في حياته و فوض إليه تدبير قومه و لم يجز أن يخرج عن ولاية جعلت له، وجب حصول هذه المنزلة له بعد الوفاة، فتعلّقها بموسى عليه السّلام تعلّق قويّ، فلم يبق إلاّ أن نبيّن استأنفناها، و الذي يبيّنه أن قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» لا يقتضي ما ظنّه السائل من حصول المنازل بموسى عليه السّلام و من جهته، كما أن قول أحدنا: أنت منّي بمنزلة أخي منّي أو بمنزلة أبي منّي لا يقتضي كون الاخوة و الأبوة به و من جهته، فليس يمكن أحدا أن يقول في هذا القول: إنّه مجاز أو خارج عن حكم الحقيقة، و لو كانت هذه الصيغة تقتضي ما ادعى لوجب أيضا أن لا يصحّ استعمالها في الجمادات، و كلّ ما لا يصحّ منه فعل، و قد علمنا صحّة استعمالها فيما ذكرناه؛ لأنّهم لا يمنعون من القول بأن منزلة دار زيد من دار عمرو بمنزلة دار خالد من دار بكر، و منزلة بعض أعضاء الإنسان منه بمنزلة بعض آخر منه، و إنما يفيدون تشابه الأحوال و تقاربها، و يجري لفظة «من» في هذه الوجوه مجرى «عند» و «مع» فكأن القائل أراد محلّك عندي، و حالك معي في الإكرام و الإعظام كحال أبي عندي و محلّه فيهما، و ممّا يكشف عن صحّة ما ذكرناه حسن استثناء الرسل صلّى اللّه عليه و آله و سلم النبوّة من جملة المنازل، و نحن نعلم أنّه لم يستثن إلاّ ما يجوز دخوله تحت اللفظ عندنا، أو يجب دخوله عند مخالفينا، و نعلم أيضا أن النبوة المستثناة لم تكن بموسى عليه السّلام، و إذا ساغ استثناء النبوّة من جملة ما اقتضى اللفظ مع أنها لم تكن بموسى عليه السّلام بطل أن يكون اللفظ متناولا لما وجب من جهة موسى من المنازل، و أما الذي يدلّ على أن اللفظ يوجب حصول جميع المنازل إلاّ ما أخرجه الاستثناء، و ما جرى مجراه و إن لم يكن من ألفاظ العموم الموجبة للاشتمال و الاستغراق، و لا كان من مذهبنا أيضا أن في اللفظ المستغرق للجنس على سبيل الوجوب لفظا موضوعا له فهو أن دخول الاستثناء في اللفظ الذي يقتضي على سبيل الاحتمال أشياء كثيرة متى صدر من حكيم يريد البيان و الافهام