نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢١ - سورة آل عمران
و قال اللّه تعالى: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً [١] و إنّما أراد هذا المعنى لا محالة.
فإذا تقرّر ما ذكرناه، و كان الصحيح الجسم يشقّ عليه المشي الطويل إلى الحج لم يكن مستطيعا له في العرف الذي ذكرناه؛ و كذلك من وجد الراحلة و لم يجد نفقة لطريقه و لا لعياله يشقّ عليه السفر و يصعب و تنفر نفسه لا يسمّى مستطيعا، فوجب أن تكون الاستطاعة ما ذكرناه، لارتفاع المشاقّ و التكلّف معه [٢] .
[الثالث: إن سأل سائل]فقال: ما القول في الاستطاعة؟و هل تكون قبل الفعل أو معه؟
الجواب و باللّه التوفيق:
إنّ الاستطاعة هي القدرة على الفعل، و القدرة التي يفعل بها الفعل لا يكون إلاّ قبله، و لا يكون معه في حال وجوده.
و الذي يدلّ على ذلك: أنّ القدرة إنّما يحتاج إليها ليحدث بها الفعل، و يخرج بها من العدم إلى الوجود، فمتى وجبت و الفعل موجود، فقد وجبت في حال استغنائه عنها؛ لأنّه لم يستغن بوجوده عن مؤثّر في وجوده، و إنّما يستغنى في حال البقاء من مؤثرات الوجود لحصول الوجود، لا بشيء سواه.
و ليس يمكن أن تنزّل القدرة في مصاحبتها للفعل الذي تؤثر فيه منزلة العلة المصاحبة للمعلول؛ لأنّ القدرة ليست علة في المقدور و لا موجبة له، بل تأثيرها اختيار و إيثار من غير إيجاب؛ لما قد بيّن في مواضع كثيرة من الكتب.
و لو لا أنّها مفارقة للعلّة بغير شبهة لاحتاج المقدور في حال بقائه إليها، كحاجته في حال حدوثه؛ لأنّ العلّة يحتاج المعلول إليها في كلّ حالة من حدوث أو بقاء. و لا خلاف في أنّ القدرة يستغني عنها المقدور في حال بقائه.
و قد قال الشيوخ مؤكدين لهذا المعنى: فمن كان في يده شي فألقاه لا يخلو
[١] سورة الكهف، الآيات: ٧٥-٧٢-٦٧.
[٢] الناصريات: ٣٠٣.