موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ٢١٤ - كيف ظهر بئر زمزم الشريف
و رجعت إلى إسماعيل و قد امتلأت يأسا و خيبة أمل. و هناك سمعت صوتا يشبه صدى صوت إنسان فأحست بالفرح، لكنها لم تستطع أن تحدد ناحية مصدر الصوت و تحيرت، فماذا تفعل؟! و قد كف الصوت المذكور و بدأت تتلفت حولها و هى حزينة.
بعد ما أفاقت بفترة قالت: «يا صاحب الصوت الندى الذى شغف سمعى.
عند ما سمعت صوتك الملائكى غرقت فى بحر الأمل، إذا كنت نصيرا إلى فعجل، لأننى و ابنى قد استولى علينا الألم و اليأس. فقد بلغنا درجة الموت عندئذ اضطر صاحب الصوت أن يظهر، و كان جبريل الأمين و أن يظهر ماء زمزم بضربة من جناحه.
و سرت السيدة هاجر بظهور الماء سرورا عظيما و بعد أن شربت [١] و ارتوت أخذ ضرعاها اللذان جف لبنهما فى الإدرار، و أحاطت الماء بالرمال حتى لا يسيل الماء فى الوادى، و فى قول آخر إنها عند ما حفظت بعض الماء للإدخار أظهرت نوعا من عدم التوكل، لذلك غاض الماء فى الحال فى باطن الأرض و كان هذا سببا فى توارى [٢] الماء عن وجه الأرض بعد ما كان الماء جاريا.
لو لم تحاول هاجر- رضى اللّه عنها- أن تمنع الماء من الجريان بإحاطته بالرمال، لظل جاريا إلى يوم القيامة كما جاء فى الحديث الشريف. ظهر ماء زمزم على النحو المذكور و كانت السيدة هاجر فى أمان و سعادة و لما رأى ذلك جبريل الأمين خاطب هاجر قائلا: «يا هاجر لا يحزن قلبك من هذا المكان الساكن هما و غما و لا يجول بخاطرك أن هذا الماء ينضب، فقد انفجر هذا الماء الذى يهب الحياة لحرمة ماء وجه إسماعيل الذى يزين حضنك، و إن ابنك هذا سيتشرف بشرف النبوة و سوف يبنى مع زوجك إبراهيم هذه الساحة المباركة التى تزيل الهم
[١] يروى أن السيدة هاجر سقت ابنها قبل أن تشرب.
[٢] لم يكن حول بئر زمزم حتى زمن أبى جعفر المنصور خرزة من الحجارة و الرخام و لم يوجد حول فوهته خرزة يحيط بها و فى زمن خلافة المشار إليه أقاموا خرزة كما غطى ما حولها بالرخام.