موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ١٥٩ - الصورة الثانية فى تفصيل و بيان كيفية بناء الكعبة المعظمة للمرة الأولى
الصورة الثانية فى تفصيل و بيان كيفية بناء الكعبة المعظمة للمرة الأولى
خاطب خالق الأرضين و الأفلاك تعالى شأنه عن الفهم و الإدراك الملائكة العظام بقوله: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (البقرة: ٣٠)، و ذلك ليبدى لهم بأنه- سبحانه و تعالى- سيخلق أبا البشر آدم ليكون خليفة فى الأرض و أدركت الملائكة بشفافية وجدانهم الملائكة أو بإلهام رب العزة أو بالنظر فى اللوح المحفوظ، أن بنى البشر سيسفكون الدماء و يفسدون على وجه البسيطة، و أرادت أن تعرف الحكمة من إعطاء خلافة الأرض إلى بنى آدم الميالين إلى الظلم و سفك الدماء، و لم تعط إلى طائفة معصومة و تساءلت: لماذا تخلق من يفسد فى الأرض؟ و نحن نسبح بحمدك و نقدسك بذكرك فأجابهم اللّه- سبحانه و تعالى- حاسما الأمر بقوله: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (البقرة: ٣٠)، و لم يكن الغرض من تساؤل الملائكة الاعتراض على أفعال اللّه حسب تقديرهم، و لكن فى هذا السؤال نوعا من الاحتجاج كما يفهم من قول اللّه تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ و لذا ندم الملائكة و لاذوا بالعرش الأعظم يبكون و يتضرعون طلبا للعفو و الصفح عما اقترفوه ليتجنبوا الغضب الإلهى، و استمروا لمدة ثلاث ساعات يطوفون بالعرش الإلهى و يستعطفون فى تذلل و خضوع و هم فى قلق و خشوع زائدين، و فى النهاية بلغ منهم الرجاء و التضرع العفو و المغفرة و استجلبت توسلاتهم شفقة و رحمة صاحب الكبرياء، و أمرهم أن يطوفوا بالبيت المعمور الواقع تحت العرش الأعظم، ثم أمرهم بأن يبنوا على وجه الأرض بقعة مقدسة فصدعوا بالأمر الإلهى، و قاموا ببناء و رفع بنيان الكعبة المعظمة التى أصبحت مطافا إلى الآن.