موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ٢٢٠ - الغراب الأعصم
الشام العامرة لتحكم بينهم، و خرجوا جميعا للذهاب إلى حيث تقيم الكاهنة المشار إليها، و لما كانت منطقة الحجاز فى ذلك الوقت خالية من الطرق المنتظمة و ليس بها قرى متقاربة أو عيون ماء أو آبار ممرات ضيقة لدفع الوحشة. و لا شك أن السير فى مثل هذه الطرق أمر مخيف، كما أن السير فى تلك الصحارى الخالية من المياه من الصعوبة بمكان، لذا حمل عبد المطلب و من معه من صناديد قبيلة قريش ما يحتاجون إليه من أطعمة و مال يكفيهم إلى أن يصلوا إلى حدود الشام.
و عند ما ابتعدوا عن مكة و وصلوا إلى واد موحش عديم الماء نفد الماد الذى كان مع عبد المطلب و فئته و أوشكوا على الهلاك، و بعد أن احترقت أكبادهم من العطش. و طلبوا بعض الماء من خصومهم حتى ينجو من هذه المصيبة العظيمة، و لكنهم رفضوا قائلين: «نحن الآن فى واد تنعدم فيه فرصة العثور على نقطة ماء فإذا ما أعطينا لكم الماء فإننا سنتعرض للعطش الذى تعرضتم له كما أن الماء الذى معنا قليل يكاد أن يكفينا و هذا عذر مقنع فى عدم إمدادكم. فزادت حيرة عبد المطلب و جماعته و قلقهم عند ما تلقوا هذا الرد.
و عند ما رأى عبد المطلب هذا الجحود و الإساءة من معارضيه سأل من معه مستطلعا رأيهم «ما رأيكم فى هذا الأمر؟! فقالوا نحن طوع أمرك، ننفذ ما تراه.
عندئذ قال: «رأيى أن يحفر كل واحد منكم قبرا لنفسه فى انتظار الموت، و من يموت أولا يدفنه الذى ما زال على قيد الحياة، فإذا دفن كل من يموت يبقى فى النهاية جثمان شخص واحد بدون دفن و الأفضل أن يبقى جثمان واحد فقط بدون دفن من أن تبقى أجسادنا جميعا فى العراء مكشوفة فليحفر كل واحد منكم قبرا طالما فيه القدرة على الحفر. وافق رفاقه على رأيه و حفر كل واحد منهم قبرا لنفسه و انتظر حلول أجله.
و بعد مدة قال عبد المطلب: «يا رفاقى- إن حفر قبر انتظارا للموت شىء عجيب لم يحدث منذ عهد آدم- (عليه السلام)- و يدل على عجزنا و ضعف هممنا، فإذا قمنا و سرنا ربما يكتب اللّه لنا النجاة بأن نصل إلى بلدة أو قرية و يبعث لنا ماء