موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ٤٠٦ - بلاد الحبشة
البيت لتنازل عن فكرته و رجع إلى بلده لأن هيئة البيت المحتشمة و ما فيه من روحانية فى طريقة وضعه و ما فيه من عظمة و مهابة قد ألقى فى قلبه خوفا و خشية فوق العادة- فالأمين إبراهيم- (عليه السلام)- قد بناه تنفيذا لإرادة اللّه- سبحانه و تعالى- إلا أن عدم صدور أدنى التماس أو رجاء بخصوص عدم هدم البيت من عبد المطلب حمل أبرهة على المضى فى عزمه لأنه لم يجد سببا يثنيه عما أقدم عليه.
و بلهجة كلها ثقة رد عبد المطلب على أبرهة ردا قاطعا مما أيأسه و آنس أهل مكة ببشارة خفية، لأنه كان واثقا أن أى فرد مهما كانت قوته لن يستطيع إلحاق الخسارة ببيت اللّه المعظم و ذلك تكريما و حرمة لخاتم الأنبياء- (صلى اللّه عليه و سلم).
لأن النبى- (صلى اللّه عليه و سلم)- انتقل إلى رحم أمه فى الفترة التى غزا فيها أبرهة الحجاز و وصل بالقرب من مكة و بدأت تظهر علامات خارقة للعادة، كما سعد عبد المطلب بالرؤى الجميلة فى منامه، و كل هذه القرائن كانت تنم عن قرب تشريف النبى- (صلى اللّه عليه و سلم)- إلى الدنيا، و لكل هذا كان عبد المطلب يأمل ألا يستطيع أبرهة هدم كعبة اللّه بتخريبها، أخذ حناطة الحميرى عبد المطلب مع بعض أولاده و أتى بهم إلى خيمة أبرهة.
و علم عبد المطلب بأن سيف ذى نفر فى السجن فالتقى معه و استمع إليه إذ يقول: يا عبد المطلب ماذا تنتظر من أسير يترقب قتله اليوم أو غدا و ماذا تأمل منه، و مع هذا سايس الفيل «محمود» من أحبائه و هو شخص يسمى «أنيس» و هو من الذين يثق فيهم أبرهة و يعتمد عليهم و قد أرسلت له بأنباء. فاذهب إليه و فعلا ذهب إليه عبد المطلب و تلاقى معه.
كان النبأ الذى أرسله ذو نفر إلى أنيس [١] يشمل المعانى الآتية:
[١] قد رأت السيدة عائشة- رضى اللّه عنها- أنيس و سائق الفيل محمود، فى مكة يتسولان. و كما تقول المشار إليها إن كليهما كان أعمى و بما أنهما قد نبهوا أبرهة بحسن قبول عبد المطلب أنجاهما اللّه بما حل بجيش أبرهة و أصيبا بالعمى.