شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٧٢ - «الشرح»
..........
لا يراها إلّا أصحاب القلوب الصافية الخالصة عن غواشي الأوهام و علائق الأبدان و قد يظهر لبعض المجرّدين شيء [١] من ذلك كالبرق الخاطف، و صحّ أيضا أن يراد بالنور الأخضر علمه تعالى باعتبار تعلّقه بما اخضرّ من الكائنات و بالنور الأحمر علمه باعتبار تعلّقه بما احمرّ منها و بالنور الابيض علمه باعتبار تعلّقه بما ابيضّ منها، و يؤيّده ما في كتاب التوحيد للصدوق (رحمه اللّه) في هذا الحديث «أنّ نور اللّه منه أخضر ما اخضرّ و منه أحمر ما احمرّ و منه أبيض ما ابيضّ و غير ذلك» و يحتمل أن يراد بتلك الأنوار صفاته تعالى فيراد بالنور الأخضر قدرته [٢] على الممكنات و إفاضة
[١] قوله «و قد يظهر لبعض المجردين» قال صدر الحكماء المتألهين (قد) فى شرح الحديث ما حاصله أن تلك الحجب الالهية متفاوتة النورية بعضها أخضر و منه احمر و أبيض و منه غير ذلك فالنور الابيض ما هو أقرب الى نور الانوار و الاخضر ما هو أبعد منه فكأنه ممتزج بضرب من الظلمة لقربه من ليالى حجب الاجرام الفلكية و غيرها و الاحمر هو المتوسط بينهما و ما بين كل اثنين من الثلاثة من الانوار ما يناسبها و تلك واقعة فى طريق الذاهب الى اللّه بقدمى الصدق و العرفان لا بدّ من مروره عليها حتى يصل إليه تعالى فربما يتمثل لبعض السلاك فى كسوة الامثلة الحسية و ربما لا يتمثل انتهى و كلام الشارح ناظر إليه و مقتبس منه و نقله المجلسى ره أيضا. (ش)
[٢] قوله «فيراد بالنور الاخضر قدرته اه» الملازمة العرفية بين الخضرة و الحياة ناشئة من عادة الانسان حيث رأى النبات أخضر و كل أرض كثر فيها الخضرة كثر فيها الحياة. و أما الملازمة بين الحمرة و الغضب فلان الغضب يؤدى الى الجرح و القتل و اراقة الدماء، و الملازمة بين البياض و الرحمة للصفاء من الكدورة و كل ذلك حاصل فى ذهن الانسان بتكرار المشاهدات، و الانوار المعنوية الفائضة على الموجودات اذا تجلى على روح الانسان تصور بصورة تناسب ما فى ذهنه فالاتصاف بالخضرة و الحمرة شيء يحصل بعد وروده فى ذهن الانسان لا أن النور فى ذاته أحمر أو أخضر أو أبيض هذا عند الشارح. و أما التأويل الّذي نقلناه عن صدر المتألهين فهو يصرف الالوان الى ذات النور فى ذاته لا باعتبار ذهن الانسان و هو الصق بعبارة الحديث فان الظاهر منه أن النور بذاته أخضر أو أحمر، و مثال تأويل الشارح أن يرى الانسان نورا واحدا تارة أخضر و تارة أحمر من وراء زجاج ملون. و مثال تأويل صدر المتألهين أن يكون النور نفسه بألوان مختلفة كما فى البلورة البيضاء و لكن كلامه يبتنى على حفظ الحقائق فى عوالم مختلفة، كما أن الجسم فى عالم المادة جسم و فى عالم البرزخ جسم و فى العوالم بعده أيضا جسم لا ينفك عنه ماهيته و ان تغير بوجه بمقتضى كل عالم و نظيره فى الطبيعيات أن الماء الحار ينبث بخارا فى الهواء و ليس فيه حرارة ما دام بخارا فاذا اتفق أن رجع من حال البخارية الى حال الميعان دفعة وجد فيه الحرارة أعنى أحس به فالحرارة محفوظة فى حال الميعان و حال التبخر و ليس محسوسا حال التبخر نظير الحرارة التى يقول بها الاطباء فى بعض الادوية كذلك الخضرة و الحمرة فى الانوار المعنوية امر حقيقى اذا تمثل للعارف ظهر بلون ذاته و الماهيات جميعها فى عالم العقول تحفظ ذاتها و حقيقتها و قد صرح صدر المتألهين فى مواضع من كتبه بما ذكر.
ثم ان العلامة المجلسى نقل فى تفسير ألوان الحجب فى مرآة العقول قول صدر المتألهين أولا و تأويل الشارح ثم حكى عن والده وجها آخر و حاصله أن لكل شيء مثالا فى عالم الرؤيا و المكاشفة و تظهر تلك الصور و الامثال على النفوس مختلفة باختلاف مراتبها فى النقص و الكمال و شأن المعبر أن ينتقل منها الى ذواتها. و النور الاصفر عبارة عن العبادة و نورها كما هو المجرب فى الرؤيا فانه كثيرا ما يرى الرائى الصفرة فى المنام فيتيسر له بعد ذلك عبادة يفرح بها و النور الاحمر المحبة كما هو المشاهد فى وجوده المحبين و قد جرب فى الاحلام أيضا و النور الاخضر المعرفة كما تشهد به الرؤيا و يناسبه هذا الخبر لانه (ع) فى مقام غاية العرفان كانت رجلاه فى خضرة الى آخر ما قال و هذا حكاية الواقع و تحقيق صدر المتألهين بيان سره جزى اللّه جميعهم عن الاسلام و العلم خير الجزاء. (ش)