شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٩٢
..........
(عليه السلام): لا من شيء و في بعض النسخ «من لا شيء» فقال: كيف يجيء من لا شيء شيء؟
قال (عليه السلام): إنّ الأشياء لا تخلو أن تكون خلقت من شيء أو من غير [١] شيء فإن
[١] قوله «من شيء أو من غير شيء» ان كثيرا من الاوهام ذاهبة الى أن الشيء لا ينتقل من العدم الى الوجود و لا يخرج من الوجود الى العدم فلا يوجد معدوم و لا يفنى موجود و هذا شيء يعلمه الملاحدة أولادهم و تلامذتهم فى مكاتبهم و مدارسهم من مبدأ نعومة اظفارهم حتى ينشئوا على الكفر و انكار المبدأ و المعاد و بذلك شككوا أطفال المسلمين و أعداؤهم للالحاد و لعمرى أنه مزلة عظيمة للسذج خصوصا و لهم حيل في ردعهم عما يمكن تقريبهم الى معرفة اللّه تعالى منها أن الدين خرافات و أن الأنبياء كانوا من أصحاب الفطنة و رجال السياسة أرادوا اصلاح أخلاق الناس بتدبيرهم لا بوحى من اللّه و ان المتكلمين و الفلاسفة الالهيين كانوا مخطئين غلبت عليهم الاوهام و أن أدلتهم كالدور و التسلسل غير مبنية على التجارب و المحسوسات فيجب أن يترك و يطرد و اذا اطلعوا على خطائهم فى مسئلة لا تضر و لا تنفع كحركة الارض جعلوها دليلا على خطائهم فى جميع المسائل و نسبوا العرفاء الى التصوف و ترك الدنيا و اخلالهم بحكمة الخلقة حتى لا يلتفت الناس الى مواجيدهم و أقوالهم الذوقية و يتأثروا باشعارهم و مقالاتهم فى معرفة اللّه تعالى. و كان هذا الرأى الخبيث سائدا فى رجال من قدماء فلاسفة اليونان قبل نضج الحكمة و قيل ظهور سقراط و أفلاطون و الالهيين منهم و ردهم عليهم و نقل الشيخ فى الفن الثالث من طبيعيات الشفاء أقوالهم و حججهم و نقض مذاهبهم بما لا مزيد عليه فمن مذاهبهم القول بالمكون و بالبروز قال الشيخ قد دعاهم الى ذلك أنه من المستحيل أن يتكون الشيء عن اللاشىء اذ اللاشىء لا يكون موضوعا للشىء انتهى. مثلا اذا وجدت نار فليست من العدم بل كانت نارية كامنة فى عناصر تصادمت فبرزت النار من باطنها و كذلك ظهور كل شيء لم يكن فكان انما هو ببروز كامن ثم رد الشيخ عليهم بأن أنواع الكائنات غير متناهية و استعداد المادة لحصول الصور غير متناه و يمتنع أن يكون جزء متناه مؤلفا من أجزاء غير متناهية و حاصل الرد أنا أثبتنا عدم كون جسم متناهى المقدار مؤلفا من أجزاء غير متناهية و نحن نرى أن الاصناف و الانواع فى هذا العالم كثيرة كثيرة تلحقها بغير المتناهى مثلا التراب يمكن أن يصير شجرا بأنواعها و أوراقا خضرا و ثمرات مختلف ألوانها و طعومها و حيوانات بأنواعها ثم تموت و تحدث منها أمور غير متناهية ثم تموت ثم تحيى الى غير النهاية فلا بد لاصحاب الكمون و البروز أن يلتزموا فى ذرة صغيرة من التراب بوجود خشب و ورق و ثمر و حيوانات و غير ذلك كامنة ثم تبرز و هو بين الاستحالة، و يلزمهم أيضا أن يكون الحياة كامنة في الجماد و الجمود كامنة فى الحى و هذا كما قال الصادق (ع): «فمن أين جاءت هذه الالوان المختلفة و الجواهر الكثيرة الموجودة فى هذا العالم من ضروب شتى و من أين جاء الموت الى آخر الحديث». و هذا بعد بطلان الكمون على ما ذكر. فان قيل فما قولكم فيه قلنا أما المادة فليست و اما عندنا عندنا موجودة واجبة قائمة بنفسها مستقلة بذاتها بل هى معلولة للصورة مقومة بها.
و أما أصحاب الطبائع فيرون المادة غير معلولة و هذه صارت منشأ لشبهتهم فهذه الصور التى نراها عارضة كالنارية و المائية و الحيوانية و الخشبية و أمثالها ليست عوارض للمادة بل هى مقومة لها بحيث لو لا الصورة لم تكن مادة كما لو لم تكن الشمس لم يكن نور و المادة من مظاهر الصورة و مرادنا بالصورة مبدأ القوى لا الشكل و ليس هذا خفيا على أكثر أهل عصرنا أيضا لان المادة عندهم ليست الاحالة يجدها الحس من حركة أجزاء قوة كهربائية يسمونها «الكترون» فالجسم المادى شيء يتخيل من تتابع حركات كالشعلة الجوالة، القوة مهيمنة على المادة و المادة من توابع القوة و ليست القوة من توابع المادة فرجع الامر الى أن المادة ليست قديمة واجبة بل هى تابعة أو مظهر أو معلولة للصورة أى لمبدإ القوى فى كل جسم كما هو مذهب الشيخ و أمثاله فانهدم أساس الشبهة اذ هى مبنية على قدم المادة و كونها واجبة الوجود و غير مجعولة تعالى اللّه أن يكون له شريك. (ش)