شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٠ - «الشرح»
..........
هذا أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: «من عرف نفسه فقد عرف ربّه» يعني [١] عرف ربّه بضدّ ما عرف به نفسه لا بمثله لامتناع التشبيه فمن عرف نفسه بالحدوث و الإمكان و العجز و الجهل مثلا عرف ربّه بالقدم و الوجود و القدرة و العلم (و كبرك بعد صغرك)
(١) فإنّك إذا تفكّرت في انتقالاتك من مقدار إلى مقدار و في ترقّياتك من مرتبة الطفوليّة إلى سنّ الوقوف، علمت أنّ ذلك مستند إلى قادر مدبّر بحكمته و إنّك مخلوق مقهور تحت حكمه و قدرته
(و قوّتك بعد ضعفك و ضعفك بعد قوّتك)
(٢) القوّة مبدأ الآثار و الأفعال و الضعف عدم ذلك المبدأ بالكليّة أو فتوره، و لا يبعد أن يراد بالقوّة القوّة الّتي في سنّ الشباب و بالضعف الضعف الّذي في سنّ الكهولة و الشيخوخة
(و سقمك بعد صحّتك و صحّتك بعد سقمك)
(٣) [٢] السقم المرض و
[١] هذا الخبر نقله العلامة المجلسى- (رحمه اللّه)- فى المجلد الرابع عشر من البحار ص ٤١٥ نقلا عن كتاب «الباب المفتوح الى ما قيل فى النفس و الروح» تأليف الشيخ الفاضل الرضى على بن يونس العاملى- (رحمه اللّه)- و الكتاب بتمامه أورده العلامة المجلسى فى هذا المجلد من ص ٤١٢ الى ٤١٦.
[٢] قوله: «صحتك بعد سقمك» قد يذهب الاوهام العامية الى أنه لا يمكن اثبات وجود اللّه تعالى الا بوجود حوادث لا علة طبيعية لها ظاهرة و يتعجب من استدلال الامام (ع) على وجود واجب الوجود تعالى بهذه الاحوال التى لها أسباب ظاهرة كالسقم بعد الصحة و الصحة بعد السقم فيقال: ان السقم بعلة طبيعية كانحراف المزاج عن التعادل او بنقص عضو أو زيادة أو سد منفذ أو جراثيم صغار و غير ذلك و له أسباب بادية و غير بادية و كذلك عود الصحة باعانة الطبيعة و تأثير الدواء و المعالجات و لا يثبت وجود اللّه تعالى الا بأن يرى فى بدن الانسان مرض أو صحة من غير سبب و هذا و هم باطل جدا مخالف للكتاب و العقل اما الاول فلان القرآن الكريم استدل على وجوده تعالى بامور لها اسباب طبيعية كاختلاف الليل و النهار و انزال الماء من السماء و جرى الرياح و غير ذلك و صرح فى القرآن أيضا بوجود الاسباب الطبيعية فى كثير منها مثل قوله «يُرْسِلُ الرِّيٰاحَ فَتُثِيرُ سَحٰاباً» و مثل قوله تعالى «جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيٰاءً وَ الْقَمَرَ نُوراً» و مثل قوله تعالى كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّٰارَ نَبٰاتُهُ و أما الثانى فلان العقل يشهد باحتياج كل ممكن الى واجب الوجود فى ذاته و صفاته و لو كان له أسباب طبيعية فانها معدات لا علل فاعلية فالصحة و المرض و ساير الاحوال من اللّه تعالى لان الاسباب أيضا ممكنات ليست وجودها بانفسها الى ان ينتهى الى واجب الوجود لبطلان التسلسل. و لنا فى تفسير الحديث وجه اخر ذكرناه في حواشى الوافى و نشير إليه فى حديث أبى سعيد الزهرى ان شاء اللّه تعالى. (ش)