شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٥٢ - «الشرح»
[الحديث الحادي عشر]
«الأصل»
١١- «محمّد بن أبي عبد اللّه، عمّن ذكره، عن محمّد بن عيسى، عن داود بن القاسم» «أبي هاشم الجعفري قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): لٰا تُدْرِكُهُ الْأَبْصٰارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ» «الْأَبْصٰارَ؟ فقال: يا أبا هاشم أوهام القلوب أدقّ من أبصار العيون. أنت قد تدرك» «بوهمك السند و الهند و البلدان التي لم تدخلها و لا تدركها ببصرك و أوهام القلوب» «لا تدركه فكيف أبصار العيون».
«الشرح»
(محمّد بن أبي عبد اللّه، عمّن ذكره، عن محمّد بن عيسى، عن داود بن القاسم أبي هاشم الجعفري قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) «لٰا تُدْرِكُهُ الْأَبْصٰارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصٰارَ»)
(١) ما أراد اللّه سبحانه بهذا القول؟ و يحتمل أنّه أراد بالابصار ابصار العيون و استبعد و تعجّب من عدم إدراكها له، فأجاب (عليه السلام) بما يرفع استبعاده و تعجّبه فقال:
(يا أبا هاشم أوهام القلوب)
(٢) و إدراكاتها
(أدقّ)
(٣) أي ألطف و أسرع تعلّقا
(من أبصار العيون)
(٤) لأنّ إدراك القلب ينفذ فيما لا ينفذ فيه ابصار العين و قد بيّن ذلك بقوله
(أنت قد تدرك بوهمك)
(٥) أي بعقلك
(السند و الهند و البلدان الّتي لم تدخلها [١])
[١] قوله «و البلدان التى لم تدخلها» المراد بالوهم العقل اذ قد يطلق عليه، و أما تخصيص الوهم بالباطل فهو اصطلاح أخر اقتبسه أهل النظر من الوهم بمعنى الخطأ فى اللغة، و بالجملة فنقص الادراك البصرى بامور: الاول أنه لا يدرك فى الظلمة و العقل بخلافه، الثانى أنه لا يدرك الصغير جدا و يحتاج الى آلة مكبرة لرؤية جراثيم الامراض و خلايا الاعضاء و غيرها.
الثالث انه لا يدرك مع الحاجب كما وراء الجدار و الستر و ما فى قعر الارضين و بواطن الاجسام، الرابع أنه لا يدرك البعيد جدا. الخامس أنه لا يحيط بالكثير جدا كعدد الرمال فى الاحقاف و عدد الحبات فى الصبرة و العقل فى جميع هذه الامور كامل يدرك ما لا يدركه البصر و لو كان الفضل بقوة الابصار كان بعض الحيوانات اقوى بصرا من الانسان و لكن الانسان مدرك بعقله و بهذا فضل على ساير الحيوانات و كذلك موجودات عالم الغيب كالعقول المجردة و المؤمن بعد فراق البدن و الملائكة المقربون اكمل و اقوى و اصح و اكثر ادراكا من الانسان فى الدنيا اذ يرون مع الفواصل و الابعاد و الحجاب و فى الظلمة و يحيطون بالكثير و بغير المتناهية و لا يحتاج الى آلة و جارحة نظيرا عيننا، و أيضا لا يحتاجون الى ترتيب المقدمات و استنتاج النتائج منها كما يكون لنا فى الدنيا لدرك ما لا يصل إليه حواسنا فيدركون بالاحاطة و الابصار الحقيقى كل شيء لا يمكن لنا فهمه الا بالدليل و يكون ما ندركه بالدليل فى الكمية بالنسبة الى ما ادركوه بالبديهة كحلقة فى فلاة، او كمدركات الخراطين بالنسبة الى مدركات ارسطو، و قد علمنا بالحس فى ما نرى من الرؤيا الصادقة احاطة موجودات عالم الغيب على بواطن الامور و غيوبها و نعلم بهذا القياس مقدار علوم القوة العاقلة اعنى العقول الكلية المدبرة كمية و كيفية، و مع ذلك فلا يقدر العقول على ادراك كنه حقيقة البارى تعالى. (ش)