شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٠٥ - «الشرح»
..........
العظيم يطلق على كلّ كبير محسوسا كان أو معقولا، عينا كان أو معنى، و إذا استعمل في الأعيان فأصله أن يقال في الأجزاء المتّصلة و الكثير يقال في المنفصلة ثمّ قد يقال في المنفصل عظيم نحو قولهم جيش عظيم و مال عظيم، و العظيم المطلق هو اللّه سبحانه لاستيلائه على جميع الممكنات بالإيجاد و الإفناء و ليست عظمته عظمة مقداريّة و لا عظمة عدديّة لتنزّهه عن المقدار و المقداريّات و الكمّ و الكميّات بل هي عبارة عن علوّ شأنه و جلالة قدره و كمال شرفه و شدّة غنائه عن الخلق و نهاية افتقارهم إليه في الوجود و البقاء و الكمال
(فانظروا إلى عظيم خلقه)
(١) فإنّه أظهر عظمته للعقول بما أراها من علاما التدبير المتقن و القضاء المبرم، فمن شواهد عظمته خلق السموات المرفوعات بلا عمد القائمات بلا سند. دعاهنّ فأجبن طائعات لقدرته القاهرة و أتين مذعنات لإرادته الكاملة. و منها خلق النجوم السائرات و الكواكب الساكنات الّتي يستدلّ بها الحائر في فجاج الأقطار و السائر في لجج البحار، و منها خلق الحيوانات و إرشادها إلى مطالبها و إلهامها السعي إلى مقاصدها، ألا تنظرون إلى صغير ما خلق كالنملة كيف أحكم خلقها و أتقن تركيبها و أقامها على قوائمها و بناها على دعائمها، و فلق لها السمع و البصر و سوّى لها العظم و البشر و جعل لها مجاري أكلها كالحلق و الأمعاء و شراسيف بطنها كالعظام و الأضلاع، و خلق في رأسها عينا باصرة و اذنا سامعة و شامّة قويّة تدرك بها من مسافة بعيدة و هي مع صغر جثّتها و لطافة هيئتها بحيث لا تكاد تنال يلحظ النظر و لا بقوّة الفكر تدبّ على الأرض و تطلب الرّزق و تنقل الحبّة إلى جحرها و تعدّها في مستقرّها و تجمع في حرّها لبردها لا يغفل عنها المنّان و لا يحرمها الديّان في الصفا اليابس و الحجر الجامس، فإنّكم إذ نظرتم إلى ما ذكر، و إلى غيره من عجايب الخلق و غرائب التدبير و لطائف التقدير علمتم أنّ خالقها موصوف بالكبرياء و العظمة و منعوت بالعلوّ و الرّفعة، و قلتم سبحان من لا يعرف منتهى عظمته العارفون و لا يعلم نهاية قدرته العالمون.