شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٠٠ - «الشرح»
..........
«إِنَّ اللّٰهَ لٰا يُغَيِّرُ مٰا بِقَوْمٍ حَتّٰى يُغَيِّرُوا مٰا بِأَنْفُسِهِمْ كذلك الذنوب الباطنة [١] قد توجب سلب نعمة الثواب التي حصلت بعمل آخر كما ورد أنّ الخلق السيّئ يفسد العمل الصالح كما يفسد الخلّ العسل و تخصيص الشكّ هنا بالشكّ في اللّه و تخصيص العمل بالجدال الصحيح قبل بلوغه إلى حدّ المخاصمة أيضا محتمل
(و تردي صاحبها)
(١) الرّدي الهلاك ردي بالكسر يردى رديا أي هلك و أرداه غيره أهلكه يعني الخصومات تهلك صاحبها باستحقاق العذاب فإنّ من تصدّى لها لا يكتفي بسلوك سبيل الدّفع و ذلك لغلبة القوّة الشهويّة و الغضبيّة و شوق التسلّط و الترفّع عليه
(و عسى أن يتكلّم بالشيء)
(٢) من ذات الواجب و صفاته أو غير ذلك من الامور الدّينيّة و في بعض النسخ في الشيء
(فلا يغفر له)
(٣) لفخامة قبحه و سوء عاقبته كما قال سبحانه إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَ تَقُولُونَ بِأَفْوٰاهِكُمْ مٰا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَ تَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَ هُوَ عِنْدَ اللّٰهِ عَظِيمٌ و قال الصادق (عليه السلام) «من همّ بسيئة فلا يعملها فإنّه ربّما عمل العبد السيّئة فيراه الربّ تبارك و تعالى فيقول: و عزّتي و جلالي لا أغفر لك بعد ذلك أبدا»
(إنّه كان فيما مضى قوم تركوا علم ما وكلوا به)
(٤) أي تركوا علم ما فوّض إليهم و طلب منهم من الأحكام و المعارف الّتي كانت لائقة بالحقّ و كانت مقدورة لهم
(و طلبوا علم ما كفوه [٢])
[١] قوله «كذلك الذنوب الباطنة» ما ذكره الشارح عليه الرحمة خروج عن مذهب الطائفة فى ابطال الاحباط و كانه سهو من قلمه او لم يرد ظاهر ما يدل عليه كلامه و اما الحبط فى كلام الامام (ع) فهو اصطلاح خاص غير اصطلاح المتكلمين، و بالجملة ابطال ثواب العمل الصالح بذنب لا يؤدى الى الكفر ظلم قبيح على اللّه تعالى و المراد بالحبط فى الحديث منع الجدال و الخصومة عن صدور عمل صحيح عن الانسان فلا يترتب عليه الثواب لعدم الصحة. (ش).
[٢] قوله «علم ما كفوه» مفاسد علم الكلام خمسة فى هذا الحديث: الاول انه يورث الشك، الثانى يحبط العمل، الثالث يردى صاحبه، الرابع الحرمان من المغفرة، الخامس تضييع العمر فيما لا يعنى و ترك ما يعنى، و لا ريب أن فى كل علم مفاسد اذا لم يؤت من بابه و لم يصرفه فى وجهه كالاجتهاد اذا بنى على القياس و ترك السنة و الاخباريون يتمسكون بما ورد فى ذم الاجتهاد و يقدحون فى علماء الامة و أمناء الملة قدس اسرارهم باجتهادهم و كذلك محدثوا العامة على ما سبق طعنوا فى علم الكلام و علمائه، و الكلام المبنى على الخصومة مذموم لانه جدال بالتى ليست بأحسن، و أما المفاسد الخمس فالشك يحصل لمن لا يقدر على تميز الحق من الباطل و اما القادر فلا يحصل له الشك، و حبط العمل نتيجه الشك اذ العبادة مع الشك فى الايمان غير صحيحة لا يترتب عليها ثواب لا أنه يترتب الثواب و يحبطه الكلام فان الحبط بهذا المعنى غير صحيح فى مذهبنا. أما هلاك صاحب الكلام فانما هو بان يتعصب لاثبات الباطل لان حب الغلبة على الخصم و العار من المغلوبية ربما يدعوان الى الالتزام بما يعلم بطلانه و هذا شر من الشك و حبط العمل و شر من ذلك ان يكون تعصبه و التزامه بالباطل مما لا يغفر اى مما لا يحتمل بمقتضى العادات ان يندم صاحبه و يعترف بتقصيره حتى يغفر له كرؤساء الفرق المبتدعة بعد اضلال جماعة كثيرة، و اما تضييع العمر فيما لا يعنى فكثير مثل التكلم فى بعض تفاصيل المبدأ و المعاد و قصص الأنبياء و فى فضائل رجال بأعيانهم و الاختلاف فيهم مثل ان زبير بن العوام افضل أم عبد الرحمن بن عوف و أبو موسى الاشعرى كان عاقلا أم مغفلا و تفصيل حياة صاحب العصر عجل اللّه تعالى فرجه من طعامه و مسكنه و مزاجه و بلده و امثال ذلك و قد نهينا عن تسميته فكيف تلك الاحوال و احوال الرجعة و كيفياتها و تفاصيلها و غير ذلك و اذا خلا علم الكلام من هذه المفاسد فهو من أشرف العلوم إذ به النجاة فى الآخرة لما فيه من الاستدلال على اصول العقائد و احكام الايمان، و كذلك كل علم ورد فيه ذم و مدح و كل صنعة كذلك مثل الحياكة و الصرف و غيرهما مما يحتاج إليه الناس و علم جوازه بالتواتر بل الضرورة و لا يمكن حمل الذم فيه على المنع الا من بعض الوجوه و الاعتبارات و اذا خلا عنها لم يكن مرجوحا، و من مفاسد علم الحديث اقتصار المحدث على الرواية و ترك الدراية كما مر و من مفاسد الاجتهاد الاعتماد على الرأى و القياس و من مفاسد الفلسفة التقليد و ترك الدليل و الاعراض عن السنة، و من مفاسد على النجوم الاعتماد على الاحكام و دعوى علم الغيب، و من مفاسد التصوف البدع و المحالات، و من مفاسد الانساب و أشعار العرب الخوض فى الفضول، و من مفاسد علم التفسير الاعتماد على رأى من ليس قوله حجة. و لا يحرم شيء من تلك العلوم لوجود هذه المفاسد فيها بل يجوز الخوض فيها و الاجتناب عن المفاسد. (ش)