شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٢٣ - «الشرح»
..........
حدوث العالم فهو لذاته يسمع و يرى حتّى لا يعزب عنه ما تحت الثرى «وَ إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفىٰ» لا للآلات كما يسمع و يبصر لأجلها الإنسان و ساير الحيوانات لاستحالة اتّصافه بالجسميّة و لواحقها، و فيه ردّ على من زعم أنّه لا يسمع و لا يبصر لأنّ السمع و البصر عبارة عن تأثّر الحاسّة و الآلة أو أمر مشروط به و ليس له حاسّة و لم يعلم أنّ ذلك قياس للغائب على الشاهد مع الفارق بينهما لأنّ ذاته تعالى مغايرة لذواتنا و صفاته مخالفة لصفاتنا فجاز أن لا يكون سمعه و بصره نفس التأثّر عن الحاسة و لا أمرا مشروطا به و لإنكار هؤلاء الفرق الضالّة المضلّة علمه و سمعه و بصره خصّ (عليه السلام) هذه الثلاثة بالذّكر لتثبيت قلوب العباد بها و تسديدها
(و هو الفعّال لما يريد)
(١) بمجرّد الإرادة من غير حركة و لا آلة و لا تعب و لا صوت و هو نافذ الإرادة لا يمتنع عن إرادته شيء و فيه ردّ على من زعم أنّه واحد لا يصدر عنه إلّا واحد [١].
[١] قوله «رد على من زعم انه واحد» قولهم «الواحد لا يصدر عنه الا واحد» ليس مما عده الغزالى مخالفا للشرع و ان عد كثيرا من قواعدهم غير تامة و أدلتهم غير وافية لكن حصر المخالفة فى ثلاثة ذكرناها. و الحق أنه يرد بعض الاقوال لا لأنها باطلة بل لانها تستلزم عرفا أمرا باطلا أو لأن عبارته توهين و تهجين كما حكى ان بعض الملوك رأى فى المنام سقوط أسنانه فسأل بعض المعبرين فقال: هذا دليل موت الاقارب فساء الملك، ثم عرضه على معبر آخر فقال هذا دليل طول عمر الملك و كونه أكثر من عمر اقاربه، و مثله روى عن بعض الخلفاء سأل صحابيا عن عمره و أنه كان أسن من رسول اللّه (ص) أو أصغر قال الصحابى: كان رسول اللّه (ص) أكبر منى و لكنى ولدت قبله، و التعبيران واحد من جهة المعنى لكن أحدهما حسن و الاخر قبيح، اذا عرفت هذا فاعلم ان كون بعض مخلوقاته تعالى اشرف و أفضل من سايرها و كون الاشرف اوّل صادر عنه و كون سائر الاشياء مخلوقا بعده و كون فاعليته تعالى لبعض الامور بواسطة ملك او سبب معد جسمانى كالشفاء بالدواء، و تحريك السحاب بالرياح، و عذاب الكفار بأيدى المؤمنين و عدم صدور بعض الامور عنه تعالى أصلا لقبحه و مفسدته كالظلم و الكذب ليس شيء من ذلك مبائنا لقواعد الاسلام و مفاد قولهم «الواحد لا يصدر عنه الا واحد» ليس الا ما ذكرنا و مع ذلك انه عبارة يشمئز منها الطبع و لو قيل انه خلق اشرف الموجودات أولا و خلق غيره بعده لم يشمئز كما ورد خلق اللّه الاشياء بالمشيئة و المشيئة بنفسها و فى نهج البلاغة «نحن صنائع اللّه و الناس بعد صنائع لنا» و هذا من جهة المعنى نظير قولهم الواحد لا يصدر عنه الا واحد و لكن اداة النفى تهيج السذج. (ش)