تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٨٩ - ذكر الخبر عن الأسباب التي حدثت عند اراده الله ازاله ملك فارس عن اهل فارس
يمضى لساحر سحره، و لا لكاهن كهانته، و لا يستقيم لمنجم علم نجومه.
و بات السائب في ليله ظلماء على ربوه من الارض يرمق برقا نشا من قبل الحجاز، ثم استطار حتى بلغ المشرق، فلما اصبح ذهب ينظر الى ما تحت قدميه، فإذا روضه خضراء، فقال فيما يعتاف: لئن صدق ما ارى، ليخرجن من الحجاز سلطان يبلغ المشرق، تخصب عنه الارض كأفضل ما اخصبت عن ملك كان قبله.
فلما خلص الكهان و المنجمون بعضهم الى بعض، و رأوا ما قد أصابهم، و راى السائب ما راى، قال بعضهم لبعض: تعلمون و الله ما حيل بينكم و بين علمكم الا لامر جاء من السماء، و انه لنبي قد بعث- او هو مبعوث- يسلب هذا الملك و يكسره و لئن نعيتم لكسرى ملكه ليقتلنكم، فأقيموا بينكم امرا تقولونه له تؤخرونه عنكم الى امر ما ساعه.
فجاءوا كسرى، فقالوا له: انا قد نظرنا في هذا الأمر فوجدنا حسابك الذين وضعت على حسابهم طاق ملكك، و سكرت دجلة العوراء وضعوه على النحوس، فلما اختلف عليهما الليل و النهار وقعت النحوس على مواقعها، فزال كل ما وضع عليهما، و انا سنحسب لك حسابا تضع عليه بنيانك فلا يزول قال: فاحسبوا، فحسبوا له، ثم قالوا له: ابنه، فبنى فعمل في دجلة ثمانية اشهر و انفق فيها من الأموال ما لا يدرى ما هو، حتى إذا فرغ منها قال لهم: اجلس على سورها؟ قالوا: نعم، فامر بالبسط و الفرش و الرياحين فوضعت عليها، و امر بالمرازبه فجمعوا له، و اجتمع اليه اللعابون، ثم خرج حتى جلس عليها، فبينا هو هنالك انتسفت دجلة البنيان من تحته، فلم يستخرج الا باخر رمق