تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٤ - يونس بن متى
في مكان رفيع، و انهم جاروا الى ربهم، و دعوه مخلصين له الدين ان يكشف عنهم العذاب، و ان يرجع اليهم رسولهم، قال: ففي ذلك انزل الله تعالى:
«فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ مَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ».
فلم يكن قريه غشيها العذاب ثم امسك عنها الا قوم يونس خاصه، فلما راى ذلك يونس، لكنه ذهب عاتبا على ربه، و انطلق مغاضبا، و ظن ان لن يقدر عليه، حتى ركب سفينه، فأصاب أهلها عاصف من الريح فقالوا:
هذه بخطيئة احدكم و قال يونس- و قد عرف انه هو صاحب الذنب: هذه بخطيئتي، فالقونى في البحر و انهم أبوا عليه حتى أفاضوا بسهامهم، «فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ»، فقال لهم: قد أخبرتكم ان هذا الأمر بذنبي و انهم أبوا عليه ان يلقوه في البحر، حتى أفاضوا بسهامهم الثانيه، «فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ» فقال لهم: قد أخبرتكم ان هذا الأمر بذنبي، و انهم أبوا عليه ان يلقوه في البحر حتى أفاضوا بسهامهم الثالثه، «فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ» فلما راى ذلك القى نفسه في البحر، و ذلك تحت الليل، فابتلعه الحوت «فَنادى فِي الظُّلُماتِ»- و عرف الخطيئة- «أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ» و كان قد سبق له من العمل الصالح، فانزل الله فيه فقال: «فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ»، و ذلك ان العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر، «فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَ هُوَ سَقِيمٌ» و القى على ساحل البحر، و انبت الله عليه شجره من يقطين- و هي فيما ذكر- شجره القرع يتقطر عليه