تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٣٠ - ذكر خبر جرجيس
قد قتلتموه فلم يمت، فهل رايتم ساحرا قط قدر ان يدرأ عن نفسه الموت، او أحيا ميتا قط! ثم قص عليهم فعل جرجيس، و فعلهم به، و فعله بالثور و صاحبته، و احتج عليهم بذلك كله، فقالوا له: ان كلامك لكلام رجل قد اصغى اليه، قال: ما زال امره لي معجبا منذ رايت منه ما رايت، قالوا له: فلعله استهواك! قال: بل آمنت و اشهد الله انى بريء مما تعبدون فقام اليه الملك و صحابته بالخناجر، فقطعوا لسانه، فلم يلبث ان مات، و قالوا:
اصابه الطاعون، فاعجله الله قبل ان يتكلم فلما سمع الناس بموته افزعهم، و كتموا شانه، فلما رآهم جرجيس يكتمونه برز للناس، فكشف لهم امره، و قص عليهم كلامه، فاتبعه على كلامه اربعه آلاف و هو ميت، فقالوا: صدق، و نعم ما قال! ي(رحمه الله)! فعمد اليهم الملك فاوثقهم، ثم لم يزل يلون لهم العذاب و يقتلهم بالمثلات.
حتى افناهم.
فلما فرغ منهم اقبل على جرجيس، فقال له: هلا دعوت ربك.
فأحيا لك أصحابك، هؤلاء الذين قتلوا بجريرتك! فقال له جرجيس ما خلى بينك و بينهم حتى خار لهم فقال رجل من عظمائهم يقال له مجليطيس:
انك زعمت يا جرجيس ان الهك هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، و انى سائلك امرا ان فعله الهك آمنت بك و صدقتك، و كفيتك قومى هؤلاء، هذه تحتنا اربعه عشر منبرا حيث ترى، و مائدة بيننا عليها اقداح و صحاف، و كل صنع من الخشب اليابس، ثم هو من اشجار شتى، فادع ربك ينشئ هذه الانيه و هذه المنابر، و هذه المائدة، كما بداها أَوَّلَ مَرَّةٍ،* حتى تعود خضرا نعرف كل عود منها بلونه و ورقه و زهره و ثمره.
فقال له جرجيس: قد سالت امرا عزيزا على و عليك، و انه على الله لهين فدعا ربه، فما برحوا مكانهم حتى اخضرت تلك المنابر، و تلك الانيه كلها، فساخت عروقها، و البست اللحاء، و تشعبت، و نبت ورقها و زهرها و ثمرها، حتى عرفوا كل عود منها باسمه و لونه و زهره و ثمره.
فلما نظروا الى ذلك انتدب له مجليطيس، الذى تمنى عليه ما تمنى،