الفقه الاسلامي(الرسالة العملية) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٦ - ١ - شروط الصيغة في العقود
واحداً. أما إذا انفصلا عن بعضهما مدة بحيث لم يرَ العرف القبول رداً على الإيجاب، بطل.
٤- والتطابق بين الإيجاب والقبول شرط في صحة العقد، فلو تم إيجاب الطرف الأول على بضاعة أو بشرط معين، في حين وقع قبول الطرف الثاني على بضاعة أخرى أو بشرط آخر، فإن العقد لا يكتمل. فإذا أجرى- مثلًا- صاحب بناية متعددة الطوابق الإيجاب على بيع الطابق الثاني في حين كان قبول المشتري على الطابق الأول، لم ينعقد البيع.
والمعيار هنا أيضاً العرف؛ فإن العقد الذي لا يتراضى طرفاه على شيء واحد، لا يُعَدُّ عقداً عند العرف، إلّا إذا كان الاختلاف في بعض التفاصيل غير المهمة عند الطرفين، بحيث- يتم في الواقع- تراضيهما وتوافق إرادتيهما، كما لو اختلفا مثلًا على لون صبغ الغرف في التعاقد على شراء البيت.
٥- ويشترط في صحة العقد أهلية الموجب حين الإيجاب، وأهلية القابل حين القبول، ولكن اختلف الفقهاء في الأمر التالي: هل تشترط أهليتهما أيضاً في حال إجراء الصيغة بواسطة الطرف المقابل، فمثلًا: لو أجرى الطرف الأول الإيجاب ثم نام، أو أصبح مجنوناً، أو أغمي عليه، أو مات، وبعد ذلك تم قبول الطرف الثاني، فهل يصح العقد أم يبطل؟. وبالعكس أيضاً: لو افترضنا أن العقد كان غيابياً وأوجبه الطرف الأول في حال جنون الطرف الثاني، ولكنه أفاق من جنونه بعد الإيجاب وأجرى القبول، فهل يصح العقد؟.
نحن نرى أن الأعراف تختلف في هذا المجال، ومع صدق العقد عرفاً ورضا الطرفين المسبق به، لم نجد في الشرع دليلًا على بطلان العقد.
٦- وقد يتم الاستغناء عن القبول اللفظي بما يقوم مقامه من: سكوت، أو فعل، أو ما أشبه. والمعيار في ذلك كله وجود أمر غير لفظي يعبر عن إرادة الالتزام، والتراضي بين الطرفين.
ونذكر الموارد التالية أمثلةً لهذه الحالة:
ألف: إذا كانت طبيعة المعاملة أو العرف التجاري، أو الظروف المحيطة تدل على أن السكوت يكفي قبولًا، كما إذا أرسل المصرف كشفاً لعميله وذكر فيه أن عدم الاعتراض يُعد إقراراً به. أو كان هناك تعامل سابق، كما إذا اعتاد المستورد على استيراد البضائع التي يريدها من تاجر بالكتابة إليه، فيرسل إليه التاجر ما يريد دون إعلامه مسبقاً بالقبول. ومنه: سكوت الشخص بعد أن يهب له الآخر شيئاً مما يدل على رضاه بالقبول.
باء: وقد يقوم تنفيذ العقد عملياً مقام قبوله، كما إذا عرض أحد بضاعته عليك، فَأخَذْتَهَا وقدَّمْتَ له ثمنها دون أن تصرح بالقبول لفظاً، وهو ما يُسمى بالمعاطاة، وهذا ما