من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٨ - أسماء الله الحسنى
الخلق وليست الولادة
[١٠١] يبدو أن الآية السابقة نفت الفكرة القائلة بأن هناك في عالم الألوهية درجات، كل إله له درجة، بعضها كالأب وبعضها كالإبن، بيد أن هذه الآية تنفي وجود التوالد والتناسل، فيذكرنا القرآن هنا: بأن نشوء الخلق ليس كما يزعم المبطلون من أنه عن طريق التوالد، بل هو عن طريق الخلق المباشر.
بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ إذ ما من شيء يلد إلّا وكان له صاحبة، إذ من دون ذلك تستحيل الولادة، إذ يسبب في نقصان الشيء الأول وإنتهائه، وإذا كان ربنا بحاجة إلى جزء مكمل حتى يخلق الخلائق، فما الفرق بينه وبين أي مخلوق آخر، ولماذا أساساً نعتقد بوجود إله؟ إن المخلوقات تشهد على عجزها وحاجتها إلى الخالق وبحاجتها إلى بعضها، ولا بد أن يكون الخالق بريئاً من ذلك، ولنفرض مثلًا حاجة شيء إلى شيء آخر لتتم عملية خلق شيء ثالث، أفلا يحتاجان إذن إلى قوانين وأنظمة لهذا التزاوج حتى يتم وكيف وبأي قدر وكمية؟ بلى، ومن يضع هذه القوانين، ومن يجريها؟ أو ليس شخص ثالث؟ وهو أعلى منهما؟.
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ خلقاً مساوياً، فنسبة أي شيء إليه هي نسبة سائر الأشياء دون زيادة أو نقيصة فهو خالقهم جميعاً وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
[١٠٢] وهذه بالضبط، صفات الخالق من دون المخلوقين، إنه بريء عن نسبة البنين والبنات إليه وعن الأولاد والصاحبة، وعن الضعف والجهل، فهو الذي تشهد فطرتنا بأنه الخالق الذي نتطلع إليه.
ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ والعبادة لا تنبغي إلا له، لأنه خالق الأشياء، ولأنه الذي بيده أمور الأشياء، فهو الذي جري عليها الأنظمة، ويهيمن على أمورها اليومية.
القريب البعيد
[١٠٣] وصفة حسنى لله، هي صفة القرب المتعالي، فبالرغم من أن الأبصار لا تدركه لأنه متعال عن الحدود والأبعاد والاتجاهات والأبصار، كما أن العقول لا تدرك شيئا مطلقا لا حدود له ولا أبعاد، بالرغم من ذلك فهو قريب من الأشياء، فهو يدرك الأبصار، ويحيط علمه بما في العقول والأفكار لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وهذه الصفة تدل على منتهى اللطف، حيث أنه يدرك كل شيء لأنه يحيط بكل شيء وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ.