من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٧ - مواقف الناس من آيات الله
وفي هذه الآية يناقش القرآن الموقف الثاني فيقول وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ فالإنسان نفسه هو المسؤول المباشر عن قبوله أو رفضه للحق وليس مبلغ رسالة الحق، والواقع أن علم الإنسان بمسئوليته أمام تصرفاته سوف يساعده كثيراً على اتخاذ الموقف السليم، أما لو زعم أن بإمكانه أن يبرر موقفه، ويلقي بمسئوليته على هذا أو ذاك، فإنه سيكون سبباً لعدم الاهتمام بالحق.
[٦٧] والقرآن يهدد المكذبين بما يرونه في المستقبل. حيث يتجلى الحق في شكل واقع قائم ويقول: إن النبأ الذي عبر عنه الله وهو الحق سيتحقق في الوقت المحدد له سلفا، وآنئذ يعلم الإنسان كم خسر بتكذيبه بالنبأ. إن الطبيب يخبرك بوجود خلية فاسدة في رجلك ويأمرك بالإسراع في العلاج، ولكنك قد تكذبه فيتخذ المرض خطه المتصاعد، فينتشر السرطان في الجسد في الوقت المحدد له حسب سنة الحياة، وأنظمة الجسم وآنئذ يعلم الإنسان مدى خطئه عندما كذب بالنبأ، كذلك رسالة الله مجموعة أنباء صادقة، ولها أوقاتها المحددة (مستقرها) التي تتحقق فيها، وآنئذ يعلم المكذب حقيقة الأمر لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ.
تمييع الأحكام
[٦٨] والموقف الثاني من الحق وهو موقف اللامبالاة، واستخدام الآيات مادة للحديث اللامسئول، أو حتى للتسلية.
وهؤلاء أخطر من المكذبين إذ أنهم يميعون الحق، ويفرغون الحديث من محتواه الحقيقي، ويحولونه إلى مادة للجدل، وقضاء للوقت، والمباراة وإظهار الوجود، وبذلك يغيرون نظرة الإنسان إلى الكلام من نظرة عبرية هدفها العمل، إلى نظرة ذاتية هدفها التسلية، ولذلك يجب مقاطعة مجالس هؤلاء وعدم الخوض معهم في جدلياتهم الفارغة، وتركهم وحدهم يأكل بعضهم بعضاً.
وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ولكن كثيراً ما ينسى الإنسان هذا الحكم بسبب تظاهر هذه الفئة بالعلمية وأنهم إنما يبحثون عن الحقيقة بهذه الجدليات. لذلك ذكرنا القرآن بخطورة النسيان قال وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ لقد سمى الله هؤلاء بالظالمين بالرغم من تظاهرهم بالبحث عن الحقيقة. لأن من يبحث عن الحق فعلًا سيجده من دون تعب ولا حاجة إلى الجدال.