من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٤ - الاقتراب من الحقيقة في الشدائد
لحظة تحمل في طياتها مخاوف كروب عظيمة؟!.
ولكن فهم هذه الحقيقة بحاجة إلى فقه ومعرفة عميقة بالحقيقة.
بينات من الآيات
مع الله
[٦٣] اصطدمت سيارتنا بأخرى في طريق صحراوي بعيد .. والوقت بعد منتصف الليل والسحب المتراكمة حجبت ومضات النور المنبعثة عن النجوم، وأخي قطعت ذراعه، وأخذ الدم يتفجر منه كالميزاب، بعضنا أخذ يحاول إيقاف الدم النازف، والبعض الآخر أخذ يتطلع في الظلام لعله يبشر بمرور سيارة. ولكن لا شيء نستطيع فعله ولا ندري هل تأتي سيارة. أم لا؟ الكل حبس أنفاسه في صدره، ويكاد لا يتكلم إلا همساً. القلوب تحلق في فضاء آخر، اتصلت بعالم آخر بالله القادر على أن يرسل من عالم الغيب سيارة أو يلهمنا طريقة ما لوقف الدم.
فجأة يعلو صراخ: حبل، حبل، صاحب الجرح النازف يدعو رفاقه بجلب الحبل، ثم يأمر بشده فوق جرحه .. بشدة، ثم ينقطع الدم إلا قليلًا، ومن وراء الأَكَمَة يشع الفضاء بنور خافت، ثم ينكشف هذا النور عن سيارة، وسرعان ما نحمل جريحنا إلى اقرب مركز للطوارئ، وتنتهي الأزمة، ويتبين بعدئذ أن خبراً خاطئاً دعا سيارة الإسعاف التي قدمت أن تسرع إلى المنطقة، ولولاها لما جاءت، وبالتالي تبين أن يداً غيبية هي التي دفعتها إلى هذا الطريق. ترى كيف كنا نعيش في تلك اللحظة، ما الذي كنا نقوله لله في مناجاتنا الخفية؟.
كما نقول لربنا اللَّهُمَّ فَرِّجْ كَرْبِي. فسوف تجد أي عباد شاكرين سنكون نحن، سنترك الذنوب مرة واحدة، ولا نظلم الناس، ونتصدق بأموالنا في سبيلك. يا رب يا رب يا رب! كنا نشعر آنئذ بأننا عباد ضعفاء لا نملك لأنفسنا شيئاً، والله رب قوي رحيم، مالك لكل شيء.
إن هذه القصة غير الواقعية هي حقيقة تقع بأشكال مختلفة لكل واحد منا، ولكنه سرعان ما ينساها، والله سبحانه يذكرنا بها في هذه الآية قائلًا قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حين تكاد الأمواج العاتية ابتلاع قارب الصيد الذي نمتطيه .. ولا أمل إلا بالله تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً.
بسبب شدة الخوف نقول لربنا آنئذ
لَئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ.