من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٨ - الأنبياء(عليهم السلام) في حضرة الله
معجزة المائدة بين الإيمان بالغيب والشهود
[١١١] وأهم من ذلك أن الله اعتمده اعتماداً وجعله رسولًا وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ
[١١٢] ودعم الله موقف عيسى (عليه السلام) بأن استجاب دعاءه حين طلب منه بنو إسرائيل بأن يأتيهم بالمعجزة البينة، وذلك للدلالة على أنه نبي فعلًا.
إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ أمرهم عيسى (عليه السلام) بالتقوى، لأن التقوى، تزيد الإنسان يقيناً، وإيماناً وصدقاً وإذا زكى الإنسان نفسه استطاع أن يفهم الحقائق بدون معاجز إضافية.
[١١٣] ولكن بني إسرائي ازدادوا إصرارا في طلبهم قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنْ الشَّاهِدِينَ إنهم قالوا: إننا بحاجة إلى اطمئنان القلب وليس غيره، كما قال إبراهيم (عليه السلام) لربه بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠].
ثم نريد أن تطمئن قلوبنا بصدق الرسالة وصدق الرسول قالوا: إننا نريد أن يكون موقفنا في الدعوة إلى الله، موقفاً حاسماً. إذ فرق بين أن يكون الإنسان مؤمناً بشيء إيماناً غيبيًّا وبين أن يكون إيمانه إيماناً بالشهود، فآنئذ يستطيع أن يكون كلامه أكثر حسماً وقاطعية إذ قليلًا ما يشك الناس في صدق المؤمنين إذا ادعوا بأنهم رأوا البراهين بعينهم، بينما قد يتشككون في الإيمان الغيبي وقد ينسبون ذلك إلى صفاء النية، وبساطة الفكر، وسذاجة النفس.
[١١٤] قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا أي يكون يوماً مشهوداً يتذكره الناس ويجددون ذكراه عاماً بعد عام، لتبقى ذكرى المائدة عالقة في أذهان الجميع، وبالتالي تكون القصة عبرة لكل الأجيال.
وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ إنها آية تدل على معجزة الله، ولكن عيسى (عليه السلام) طلب الرزق الدائم لقومه.
[١١٥] قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنْ الْعَالَمِينَ لأن هناك فرقاً بين الكفر الصريح بعد الإيمان النابع من الشهود العيني، وبين الكفر بعد الإيمان الغيبي الذي قد لا يكون عميقاً.