من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٧ - دوافع الكفر
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً بماذا يشهد عليهم، إنه يشهد بكذبهم وجدلهم، ومحاربتهم له. لا لشيء إلا لأنه حمل إليهم رسالة الله، وأراد لهم الخير، يشهد على أنهم إنما كفروا به بعد أن عرفوه، وأن ارتيابهم فيه لم يكن سوى غطاء لحسدهم وحقدهم.
والإنسان حين يتصور نفسه في لحظة مفارقة الحياة ولقاء الله، آنئذ يكتشف زيف كثير من التبريرات التي يمني نفسه بها، ويرى الحقائق بوضوح تام، وعلينا إذا أن نتصور ذلك بين فترة وأخرى لعلنا نهتدي إلى الحق.
علاقة الكفر بنقص النعم
[١٦٠] إن كفر اليهود (وجحودهم وعنادهم) سبب لهم العمى، وإن الله طبع على قلوبهم وبالتالي سبب لهم انحرافاً رئيسيًّا في الحياة كما رأينا وانتهى بهم إلى نقض الميثاق، وقتل الأنبياء (عليهم السلام)، وادعاء قتل عيسى (عليه السلام).
أما ظلمهم (تعديهم على حقوق بعضهم) فقد سبب لهم حياة البؤس حيث لم يستطيعوا التلذذ بنعم الله في الحياة.
فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ هل حرمها الله عليهم تحريماً تشريعيًّا (كما حرم عليهم أنواعاً من اللحم) أم حرمها عليهم طبيعيًّا، أي منعها عنهم بطريقة تكوينية. كما حرم مثلًا على موسى (عليه السلام)- وهو رضيعٌ- المراضع.
قد يكون هذا وذاك معاً. إذ أن الأمة الظالمة يشدد الله عليها في التشريع كما أن المجتمع الظالم يستوجب نظاماً شديداً وقوانين رادعة كثيرة، وقد كان بنو إسرائيل من هذا النوع، ولذلك رأينا كيف أن الله تشدد معهم في قصة البقرة لظلمهم، وهكذا.
والأمة الظالمة لا تتنعم بنعم الله، لأن كل فريق منهم يحاول الاستيلاء على حقوق الفريق الآخر، ولا يحاولون أن يتحدوا، ويكثفوا الجهود من أجل تحقيق رفاهية الكل واستغلال موارد الطبيعة من أجل خير ورفاهية الجميع.
ولكن يبقى سؤال: ما هو الظلم الذي يمنع النعم؟.
الجواب
أولًا: منع الناس عن الاكتساب، ووضع عراقيل أمام الطاقات أن تحقق الرفاه مما يسميه