من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٦ - أهداف الجهاد
للخروج من بلد الظالمين.
[٩٩] ولا يسقط واجب الهجرة عن هؤلاء بمجرد عدم الهجرة، بل عليهم أن يهيئوا لأنفسهم وسائل القوة حتى يهاجروا، أو يمنعوا الظلم عن أنفسهم، ولذلك عبر القرآن عن سقوط واجب الهجرة عن هؤلاء بقوله: [عَسَى] للدلالة على الاحتمال القوي دون التأكيد، حتى لا ينام المظلومون على الظلم تحت تأثير مخدر اليأس، وتبرير عدم القدرة على الهجرة أو الثورة.
كلا فإن الإنسان غير القادر عند نفسه، قد يكون قادراً في الواقع لو تحرك متوكلا على الله .. قال الله تعالى فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً إن صفة العفو الكاملة عند الله هي وراء العفو عن هؤلاء، وإلا فهم مسؤولون أيضاً عن عواقب سكوتهم وبقائهم مع الظالمين.
ماذا تعني الهجرة؟
[١٠٠] والهجرة لا تعني الاستغناء عن الوطن، بل معناها الانتقال من الوطن الصغير إلى الوطن الكبير، من الأفق الأضيق إلى الأفق الأرحب، إلى حيث الرخاء والحرية.
فهناك أراض واسعة خلقها الله، والمهاجر سيجدها أمامه اذا لم يدركه الموت في الطريق، أما إذا أدركه فإنه سيجد أمامه رحمة الله والجنة.
* وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً سيجد تراباً كثيراً، والتراب يشكل نصف حضارة الإنسان، لأنه موقع السكن والزراعة والسياحة، ونصفها الآخر الحرية التي عبر عنها القرآن ب- [سَعَةً]، حيث يمكن للبشر في ظل الحرية أن يستثمر طاقات التراب، ويعيش حياة هانئة وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ لأنه هاجر بهدف دعم قضية الرسالة المتمثلة في تطبيق مناهج الله وتحرير عباد الله وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً.
وكلمة أخيرة: إن نظرة واحدة إلى التاريخ تعطينا فكرة واضحة عن دور الهجرة الأساسي في تأسيس كل الحضارات الكبرى، وفي أغلب الحركات الإصلاحية والتحررية في العالم عبر العصور، وأهمية الإسلام أنه يجعل الهجرة واجباً دينيًّا مقدساً، وقاعدة أساسية في حياة المؤمنين، وبذلك يضمن للحركة الإصلاحية البقاء، والتوسع، والقدرة على تجاوز القوى الطاغوتية، كما يجعل لها أفقاً عالميًّا يساعد على تركيع الطغاة بفضل تعاون الشعوب الساعية نحو التحرر والتقدم والتطوير.